صدر حديثا عن دار الجنوب رواية «جمر وماء» لآمنة الرميلي: عبقرية سرد بعذوبة الماء وحرقة أسئلة بحرارة الجمر

على أعتاب «عرش السوافة» كان الوقوف واللقاء مع نساء يوزعن ماء الحياة في إسدال شعورهن وإرخاء وشاحهن

ويمسكن بالجمر بين أصابعهن دون أن تحترق أناملهن ... فإذا بالقارئ لرواية «جمر وماء» في ظمإ لا ينطفئ إلى عذوبة الماء وفي رغبة لا تهدأ إلى لعبة النار! لقد أوقعتنا آمنة الرميلي منذ بداية الحكاية في الفخ، فأدمنا هواية الفرجة على رمي الجمرات على سطح الماء، كما اعتدنا على رصد الاحتمالات الكثيرة لمآل حكايات شيّقة اكتوت بنار العشق والفراق والموت...

بعد مرور أكثر من سنتين على رحيل الناقد توفيق بكار، تواصل دار الجنوب المسار والمشوار في الوفاء إلى سلسلة «عيون المعاصرة»، وذلك بإصدار جديد لرواية «جمر وماء» لآمنة الرميلي في تقديم لمحمد آيت ميهوب. وكانت هذه الرواية البكر في مسيرة صاحبتها الروائية قد فازت بالكومار الذهبي سنة 2003 قبل أن تخطف روايتها «الباقي» جائزة كومار سنة 2014 وأن تتوّج روايتها «توجان» بالكومار الذهبي لسنة 2016.

النساء بطلات وصاحبات قضية
10 سنوات وأكثر وصاحبة الرواية تكتم في صدرها بوح الحكايات وخفي الأسرار حتى كاد صدرها يحترق بنار القصص وكاد الماء يجرف وشوشة الخبر في الأذن.. فإذا بها تنتفض معلنة تحرير الأسرى من الشخصيات والتفاصيل قائلة في توطئة كتابها:» شدّ ما يثقل الكلام إذا منع في الصدّور! شدّ ما يؤلم إذا حبس في اللّسان!».

وتحت عنونة «حدّثنني...» انسابت الحكايات في طراوة وحلاوة على لسان الراوية نقلا عن بطلاتها النساء. وكأننا في جلسة استماع إلى بطلات «جمر وماء» وهن يتبادلن الجلوس على كرسي الاعتراف لتتحدث كل واحدة منهن على حدة وتدافع عن قضيّتها في الوجود والحياة. وتبوح بما خفي عن الجميع وما اختزنته في سرّها طويلا، طويلا حتى ثقل الحمل وفاض الكأس !

إنها حكايات «منى» و«زهرة» و«عائشة» و«آمال» و«زينب»... وحكاية كل امرأة تشبهنا أو نعرفها أو نصادفها... أو ربما هي بعضا منّا!

في رواية «جمر وماء» توّلدت الحكايا منفصلة ظاهريا كقطع الفسيفساء لكنها في الحقيقة تتآلف في ما بينها وتلتقي عند نواة أساسية لتكتمل ملامح اللوحة والمشهد العام.

على أجنحة التشويق والترغيب في المزيد، سافرت بنا الروائية آمنة الرميلي إلى مناخات من اللوعة والحرقة والتأسف على ما لا يعود بعد فوات الأوان ! وأمام دقة الوصف وصدق اللغة قد نفشل في كبح جماح دموعنا ومسك أنفسنا عن البكاء في مواضع عديدة من الرواية نتأثر بها وتؤثر فينا بلا حول ولا قوة منا !

عبقرية في الحبكة... دهشة في السرد
كما نساء عرش «السوافة» الجميلات، القوّيات، المغريات... جاءت الرواية ساحرة الحبكة وخصبة الحوارات التي تحفر بعمق في باطن الشخصيات وتغوص في تحليل النفس البشرية لإيجاد تفسير منطقي ونفسي وثقافي لأفكارها وتصرفاتها وأحلامها... ولكشف خلفيات فلسفتها في الحياة.

في إيقاد «الجمر» وسكب «الماء»، بدت الروائية آمنة الرميلي متحكمة في أدواتها وتقنياتها في الكتابة وممسكة بمقود روايتها بمنتهى الحرفية والمهارة، فإذا بها تجتاز المطبّات برشاقة وتراوغ في الزوايا والانحناءات حتى تصل بنا إلى بر الأمان في كل مرة بعد أن تخفق قلوبنا سريعا وتنقبض أنفاسنا حزنا وتأثرا وكأننا نموت مع موتى الرواية ونحيا مع أحيائها.

لم تكن آمنة الرميلي في رواية «جمر وماء» ترتب حروفا وتنضد سطورا بل كانت تؤلف بين كلماتها وفواصلها كمن يعزف قطعة موسيقية مدروسة النوتات، وكمن يرسم لوحة زيتية مختارة الخامات، وكمن يرقص على إيقاع دقة الخطوات... فإذا بنا أمام لغة آسرة، ساحرة حارّة كالجمر وعذبة كالماء.

لقد جاءت لغة السرد على درجة عالية من المتعة والتشويق، لقد برهنت آمنة الرميلي على امتلاك حصيلة لغوية جعلتها ماهرة في انتقاء لفظها ليصيب الهدف مباشرة وينطلق كالرصاص بلا رحمة ليستقر في قلوبنا ابتسامة أو دمعة، وجعا أو عطفا، شفقة أو نقمة... وقد أجادت صاحبة «جمر وماء» شحن نار خطابها بالوقود شيئا فشيئا حتى بلغ التوّهج وعانق الضياء. أما مرورها من حكاية إلى أخرى، ومن سيرة امرأة إلى ذكريات أخرى فكان بمثابة قفز السمكة من بحر إلى بحر بكثير من الخفة وبحجم متعة تأمل شلالات الماء وهي نثر الماء والندى على بتلات زهرة.

ولعلّ أجمل ما في رواية «جمر وماء» اللغة المنسوجة تطريزا وقيافة وأروع ما فيها تلك الحوارات المشحونة بترياق الحياة بكل صخبها ووجعها وأملها... ولم تتعسف الراوية على نسائها في التعبير بلغتها عنهن بل فسحت لهن المجال وتركت لهن الحبل على الغارب لتبوح كل شخصية بلواعج نفسها وفقا للغتها اليومية وطريقتها في التفكير ونمطها في الحياة... إنها حكايات بوشم غياهب الذاكرة وفوضى الكلمات المتمردة وحرارة الزفرات المنتفضة على الانكسار والاستسلام للقدر المحتوم !

عنصرية واغتراب... وهموم إنسانية
 في «جمر وماء» كانت النساء هن البطلات والضحيات، الفاعلات والمفعول بهن... ولكلّ إمرأة جمرة اكتوت بجحيمها ، ولكل شخصية موقد تتلظّى بحرقته ولكن كل واحدة منهن تختزن شيئا من الماء لا يلبث أن ينزل «بردا وسلاما» على نارها ويهبها لحظات من السعادة بالهروب إلى الحلم أو الذكريات، الحب أو الجنس، البوح أو الشكوى... هنّ نساء عرش السوافة الذين امتدت خصلات شعرهن و بحور شعورهن من تونس إلى باريس.

إنها فرنسا التي لم تسلم من السب والشتم عند كل مصيبة تلحق العائلة وكل مكروه يصيب أبناء «حنّة شلبية»، لقد بدت فرنسا في الرواية على لسان شخصياتها في صورة العاصمة المغرية والماكرة التي أوقعت في شباكها الكبار والصغار حتى رضعوا حليبها وعاد أغلبهم جثثا هامدة إلى مسقط الرأس ، أما الأحياء فكانوا شبه أموات وقد تمزقت أنفسهم بين تقاليد العرش ونمط العيش في فرنسا، واكتووا بنار الاغتراب والاستلاب ...

لئن كان الهمّ نسويا بامتياز في رواية «جمر وماء»، فقد كانت البطلات حمالة هواجس وقضايا على غرار قضية العنصرية التي تنفث حممها في الشرق كما في الغرب، في الشمال كما في الجنوب. لقد قتل الأخ والأخت وتيّتم أبناؤهما بسبب حقد جارهم الفرنسي على العرب. وتبرأ العرش من «آمال» وتجرأت الجدة على خنق أنفاسها بسبب عشقها لرجل أسود اللون وهي الجميلة البيضاء ابنة الحسب والنسب.

لم تخل رواية «جمر وماء» من نزعة وجودية ومنحى فلسفيا في بحث شخصياتها الحائرة والهائمة عن الذات في زمن الكينونة المحاصرة بالبؤس والخيبة.

حين نطوي آخر صفحة من رواية «جمر وماء» على مضض وبأسف على انتهاء الرحلة الجميلة لا نملك سوى أن نهمس في أذن آمنة الرميلي أكتبي لنا روايات أخرى، «قولي، نحبك أن تقولي !»

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا