روبورتاج: معرض «مونارت» في رواق جيلان بنابل «الفن اللّي فيك» دعه يكون دليلك في الحياة

تشاركن في الحلم، تشاركن في الخوف والفرح والترح، تشاركن في لحظات من الصدق وهواجس الفشل، تشاركن حلم النجاح

وتشاركن حلم التميز في الإبداع، اخترن الفن التشكيلي واخترن ملء البياض بهواجسهنّ فولدت لوحات تشكيلية من قلوب نساء اخترن الرسم مطية لكتابة الذات ونحت تفاصيلها.

هكذا هنّ.. نساء تونسيات مميزات، شعلات جمال لا تنطفئ وقبس إبداع لا يخفت بريقه، اجتمعن على حب الفن التشكيلي وانهمكن في التعلّم وبعد عشرة أعوام ولدت احلامهنّ في معرض لهنّ للوحاتهنّ واعمالهنّ معرض حمل اسم «الفنّ الي فيك» قدمته بنات «مونارت» في رواق جيل بنابل.

المرأة شعاع نور لا ينطفئ
المرأة بكل انفعالاتها وتفاعلاتها، المرأة باعثة الحياة بقوتها وضعفها، بشموخها ووهنها، تجليات المرأة النفسية وانفعالاتها العاطفية تنقلها الريشة بكل التفاصيل فالمرأة وحدها هي التي تستطيع الإفصاح عما تخفيه في داخلها من خلال اللون وحركات الريشة وتدرجات الخطّ، في المعرض الجماعي تحضر المرأة بقوة، وتحضر بكل تفاصيلها في لوحات نساء حاولن نقل ما يخالجهنّ على اللوحة البيضاء فلطخنها بالقصص والحكايات.

سيدة المكان والحدث، الرسامة امرأة والمرسومة أنثى، أنثى بكل مميزاتها ومغرياتها، أنثى بنظرة عين ثاقبة ووشم امازيغي يزين الجبين، أنثى بتدرجات لونية مبهرة تحاكي قوّة المرأة التونسية وجمالها، تحاكي هويتها في اللباس التقليدي الذي امتزجت داخله كل الألوان الأحمر والأزرق والأصفر والأخضر ألوان عادة ما نجدها في «المرقوم» و«البخنوق»، النقوش التي زينت أعلى اللوحة امازيغية متقنة، لوحة رسمتها بسمة لهديب وأبدعت في نقل صورة المرأة التونسية الشامخة كما الحضارة.

لوحة تشد الانتباه يملؤها اللون الزهري بكل تدرجاته،صورة لامرأة شامخة تنظر إلى الامتداد في اللوحة الذي ملأته الفنانة بالأصفر مع قليل من الأزرق السماوي والزهري تماهت الألوان وانسجمت لتنقل صورة لامرأة شامخة معتدة بنفسها. الوقوف أمام لوحة ليلى كاهية يشعر الزائر أنها تحاكي شموخها وشموخ المرأة كقبس للحياة.

قبالتها لوحة ترسم امرأة بفستان احمر جميل، المرأة مغمضة العينين، الأحمر ملأ اللوحة يحاكي الخوف والقوة أيضا فالأحمر عادة ما يرمز إلى الإغراء والجمال عند المرأة لوحة بسمة فاكر نقلت تفاصيل الوجه والجسد كأنها تحاول اختراق قلب المرأة لتعرف السرّ الذي تخفيه.

انكسار المرأة ووجعها، تألقها واختلافها وحدها المرأة تعرف كنهه وتتقن جمالياته، لوحة أخرى تنقل المرأة بلباس اسود ، القليل من الشعر مع قبعة بيضاء اللون، انتشر اللون الأصفر الفاتح في كامل اللوحة كأنه يحاكي القلق الداخلي، وتفاصيل الوجه والعينين والشفاه ترسم بكل دقّة، كان بفريدة لوكيل تحاول أن تنقل الصورة واضحة لتسهّل عملية قراءة اللوحة والدخول في متاهاتها النفسية والاستمتاع بتجلياتها وتفاصيلها.

جسد المرأة وتفاصيله، الجسد عار في جزئه العلوي يرشح بالحب، اللون يحاكي تفاصيل البشرة وتفاصيل الجسد الأنثوي العاري، الشعر مرسوم بدقة أشقر مع قليل من البني، تدرجات اللون البرتقالي تملأ المساحات البيضاء وكأننا بآمال مبارك تحاكي شبق المرأة وهالات العشق التي يحدثها حضور جسدها العاري.

ابتسامة المرأة بلسم، ابتسامتها تحت «السفساري» مغرية هكذا ترسمها اسيا يونس، تونسية مبتسمة وخصلة شعرها تشاكس الرياح، خلفية زرقاء داكنة لتعطى قيمة لونية للابتسامة والوجه لتبدو أكثر إشراقا فالألوان في اغلب اللوحات تحاكي دواخل المرأة وانفعالاتها النفسية فمتى كانت هادئة كانت الالوان فاتحة ومنشرحة وفي لحظات الوجع تشترك اللوحات في الألوان الداكنة فالمرأة وحدها قادرة على اختراق ذاتها ونقل تفاصيلها وفي المعرض تكون المرأة بلسما وشعاع أمل لا ينطفئ.

المرأة الفنانة: باعثة السعادة
اختلفت الألوان اختلفت افكارهنّ واختلفت طرائقهن في الرسم واختيار اللون لكنهنّ اشتركن في الحلم والإبداع، اشتركن في محاولة كشف أغوار المرأة ونقلها ورسمها لتزهر ورود الحب وتينع ثمرات عشق الفن لوحات تشكيلية جدّ مختلفة تعبر عنهنّ وعن احلامهنّ.

«فريدة كويلهو» ترسم بطريقة مختلفة، لعاشقات «مونارت» طريقتهنّ في التعبير، فريدة تبدع في نقل تفاصيلها اصغر الرسامات نورشان بشير وعوض لمحة الكآبة نجد «فريدة» بريشة نورشان مبتسمة ونظرتها يسكنها التفاؤل، الورود تحيط بها وفي اختيار الألوان ركزت الرسامة على الألوان الزاهية التي تبعث في النفس الانشراح وتبعث الأمل.

الموسيقى سيدة المكان، صوت الشيخ العفريت ينطلق في إحدى الأغنيات كان صوته يحاكي النوتات الموسيقية أو الجوقة التي اشتركت الرسامات في نقلها في عدد من اللوحات، الموسيقى تحضر في اللوحات، فهذه امرأة تجلس القرفصاء، تلبس وشاحا امازيغيا مبهرا، توشيه الألوان والأشكال، يتحد لون الثوب الأزرق مع الغطاء الأحمر لصناعة سيمفونية ألوان زادها الدف في اليد اليسرى جمالا كأن لوحة رجاء الشواشي تحاول نقل تفاصيل نوتات موسيقية تفكر فيها عازفة الدف.

الكمنجات عادة تغني للحب، الكمنجات تعزفها الأنامل العاشقة فكيف بكمنجات تعزفها نساء وترسمها نساء، الكمنجات وعازفات الكمنجات يحضرن بقوة في لوحات «مونارت» فهاهي عازفة الكمان تعزف للحب كما ترسمها شهرة غريب، عازفة الكمان تعانق كمانها بفستان أحمر وهي جالسة والوتر يكتب نوتات لوحة تمازجت داخلها الألوان البني والأصفر مع إطار يميل إلى اللون الأخضر كأننا باميرة السلامي تحاكي لوحة داخل اللوحة أو هي تبحث داخلها عن أنغام للحب تريد إخراجها على الورق الأبيض.

للجسد بهاؤه، لجسد المرأة تجلياته وتفاصيله المبهرة،لجسد الراقصة مميزات تبدع ريشة الفنانة في تجسيدها وإيضاحها، لوحة الراقصة الشرقية بفستانها الزهري وحزامها الأزرق المبهر مع زينتها وحركاتها الساحرة تفاصيل نحتتها بدقة ريشة شيراز قرقني فبدت اللوحة وكأنها صورة فوتوغرافية لراقصة تركت لجسدها حريته ليكتب تعاليم الجمال.

الرقص فعل إنساني مبهر، الرقص دين الصادقين ففي هيكل الحب تصلي الأجساد التواقة للانعتاق الأجساد الحالمة، الرقص دين يحاكي الحب والفن ورقصات الصوفيين عادة ما تكون عن تعبيرة عن انطلاق فعل الحلم، هكذا يمكن وصف لوحة رجاء شواشي التي نقلت راقصة صوفية بفستان ابيض منفتح يتوسطه شريط احمر وشاشية حمراء، يداها مفتوحتان على الفراغ في اللوحة تدرج الأحمر من القاني إلى الفاتح مع نصف هلال تصنعه اليد كأنها تعبيرة عن حلم تصنعه المرأة الراقصة.

للموسيقى بهاؤها، الموسيقى دواء الحالمين وبلسم للتائهين هي صوت الحياة داخلنا الموسيقى من يدفعنا للبحث عن تلوينات الجمال داخلنا، وبين الموسيقى والقليل من التقليدي التونسي جمعت سهى صفر في لوحة يملؤها عود ينتظر نقرات فنانة عاشقة وفي الخلف رسمت مكعبات الجليز التقليدي وكأننا بالفنانة تحاكي عالمين يسكنانها وأرادت أن يشاركها المتفرج في جمالهما.

للمدينة العتيقة حضورها
المدينة العتيقة عادة ما تبهر الفنان وتدغدغه ليرسمها، تفاصيل التاريخ والحضارة تسكن الرسام حتى يعيد إليها الحياة في لوحة تمثله وتنبع من حبّه للمكان وتفاصيله، بائع المشموم بلباسه التقليدي التونسي الأزرق اللون وشاشيته الحمراء الجميلة وابتسامة عريضة تسكنه خلفه باب بنيّ اللون نقلت الفنانة بدقة حدود الحلقة وزينة الباب فاتحدت الألوان وتماهت مع الأبيض ليفوح شذى المشموم من أنامل صباح النور بشير.

ابتسامة بائع المشموم تحملك إلى صخب السوق العتيقة، التي رسمتها رجاء شواشي في لوحة تحاكي المدينة العتيقة فهاهي القباب مرتفعة بيضاء اللون مع القليل من الأصفر والأحمر الذي يحدثه انعكاس الشمس صومعة جامع في الخلف تلوح من بعيد، في الأسفل رسومات لنساء يلبسن السفساري ورجال بالجبة التونسية وبائع خضار بعربته الموشاة بالألوان، لون البلاط مني كأنه لون الأرض، صورة تحاكي أسواق تونس في الستينات نقلتها الفنانة وأضافت مسحة من الألوان المعاصرة.

تتواصل امتدادات التاريخ والعمارة في اللوحات المعروضة ومن صخب السوق إلى هدوء الأزقة الداخلية، تفاصيل الأقواس بألوانها البنية مع الأبواب الزرقاء والفوانيس الصغيرة في أعلى الزقاق هكذا ترسم هادية مبارك احد أزقة المدينة العتيقة التي تبهر الزائر دوما.
الجولة ممتعة في تفاصيل لوحات نساء عشقن الرسم وقررن أن يكون وسيلتهنّ للتعبير وللحلم ولكتابة تعاليم الحب وإخراج خلجات الروح على اللوحة، المعرض مختلف المواضيع وقد أبدعت أنامل النسوة في تناولها، المرأة بجمالها وقوتها وانكسارها هي الهاجس الأول فهنّ في النهاية ينقلن ذواتهنّ على اعمالهنّ التي ولدت في «قاعة الجلوس» منزل منى فرجاني قبل انجاز الورشة الورشة الصغيرة التي حوت احلامهنّ لعشرة أعوام من العمل والخوف والإبداع، عشرة أعوام كانت نتيجتها العديد من اللوحات التي زينت فضاء جيلان بنابل.

نجيبة سلامة: مونارت تجربة حياة


الخط العربي يملأ مساحة من اللوحة، اللون الأزرق هو الطاغي لون الانفتاح والامتداد تدرجات الأزرق تميل إلى البياض لتصنع ما يشبه القباب والمجسمات الهندسية للمدينة العتيقة وشوارعها، للون الأخضر حضوره في اللوحة أيضا لينقص من حدّة الأزرق، هكذا يمكن وصف لوحة نجيبة سلامة التي درست في المعهد العالي للفنون الجميلة، اختصت في الـ«كاليغرافي» لكن تجربة «مونارت» كانت تجربة حياة هكذا علقت الاكاديمية التي تطورت تجربتها في مخاض ولادة الإبداع مع العصاميات، اللواتي تشاركن في حلم النجاح.

شهرة غريب: الفن «دواء»


أنيقة جدا تعرف اختيار المعنى والكلمة، لوحتها تحمل الكثير من الحلم والدقة في التفاصيل، عازفة الكمان تراقص النوتات فستان احمر زاد من بهاء اللوحة، الشعر المنسدل اسود اللون، الفراغات البيضاء يملؤها التمازج بين اللونين الأحمر مع قليل من البياض والبني تماهت الألوان حتى بدت المرأة في اللوحة كانها عازفة حقيقية يصدح كمانها بنوتات العشق، عشق الفن الذي جعل من شهرة غريب تتحدى المرض والوجع وتواجهه بالفن فالرسم أصبح بمثابة العلاج حسب الرسامة.

عدوى الفن: عدوى الحياة


انتشرت عدوى الفنّ انتشرت عدوى اللون والريشة وخطّ تباشير الفرح والترح على اللوحة البيضاء لتنبض كما تنبض قلوبهنّ للحياة، «مونارت» «فيروس الفن» انتشر على النسوة وجمعهنّ على حبّ الرسم ومحاولة خلق انموذج يمثلهنّ وطريقة للتعبير مختلفة عن المعتاد، فجلبت الام «صباح النور بشير» و الخالة «علياء غربي» والابنة اصغر الفنانات «نورشان بشير» ثلاثتهنّ من عائلة واحدة اصابتهنّ عدوى الفن والإبداع.

اللوحة جزء
من الروح


«اللوحة جزء مني، ارفض بيعها، تمثلني، مشاعر كثيرة اختلطت وتمازجت، وجع وخوف وابتسامة جميعها عايشتها اثناء الرسم فكانت بتلك الجمالية وذلك الكم من الحيرة الذي عايشته ونقلته على اللوحة» هكذا علقت ليلى كاهية على لوحتها التي توسطت المكان، تمازج البني مع الرمادي ألوان داكنة يتوسطها القليل من الأبيض هكذا رسمت الجزء السفلي للوحة، أما الجزء العلوي فتدرجت الألوان فيه لتكون فاتحة أكثر كانها تعبيرة عن انفراج أزمة ما او هي لحظات مرور الوجع الذي عايشته الرسامة اوّل اللوحة، وأكدت ليلى كاهية انّ أربعة أعوام في «مونارت» زرع فيها الكثير من الحب والرغبة في اكتشاف ذاتها من خلال الرسم.

شريفة بن خليفة:من الاقتصاد إلى الفنون الجميلة


تتقن التعامل مع المساحـــات وتتقن استعمـــــال الألوان وتوزيعها في الفضاء التشكيلــــيّ، عشقت الرسم واتقنته جيدا وبدا تميزها جليا في اللوحتين المعروضتين، الأولى بورتريه يكاد يكون حقيقيا أتقنت فيه التعامل مع اللون البني وتدرجاته لتظهر وجه الشخص المرسوم، والثاني رسمت فيه إناء فخار نابلي تقليدي وأتقنت انعكاس الضوء على اللون فبدا كأنه موضوع أمامك وليس مرسوما على لوحة، شريفة بن خليفة المختصة في الاقتصاد أحبت الفن التشكيلي وبعد إنهاء ماجستير الاقتصاد قررت ان تدرس «الفنون الجميلة» وتبدأ رحلة العلم والحلم من البداية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا