يوم الجهات في مدينة الثقافة: «روسبينا» تنبض بالجمال في قلب المدينة

مدينة تغري زوارها، مدينة غنية بتفاصيل الإبداع تحملك عنوة لتشاكس تلابيب الحلم، مدنها هادئة وأريافها خضراء ممتعة،

هي المنستير أو روسبينا الولاية الجميلة التي حضرت إلى مدينة الثقافة محمّلة بتلوينات الفن والإبداع، جاءت مخضبة بحناء الجمال وأفكار مسرحييها وفنانيها التواقة إلى الحياة.
وضمن فعاليات مدن الجهات كان لقاء جمهور مدينة الثقافة مساء السبت 4جانفي 2019مع ولاية المنستير، موطن الزعيم بورقيبة. مدينة فاح شذاها في كل أروقة المدينة ونبض قلبها بالحب والفن عبر الموسيقى والمسرح والسينما والعلم.

«مونستريوم» عطر التاريخ يعبق بشذاه اليوم
طقس شتويّ غابت عنه الشمس، سحب رمادية توسطت السماء، رذاذ المطر أخذ يعزف سمفونية الجمال، في الباب الخارجي لمدينة الثقافة قبالة شارع محمد الخامس مجسم كبير يشد المارة ويدعوهم للدخول واكتشاف أسرار المدينة الضيفة.

المجسم الكبير بلونه الترابي المميز يناديك لتكتشف أغوار التاريخ وتستحضر ملاحم المكان وعبق القدامى وتأثيراتهم اليوم، «مونستيريوم» اللاتينية أو «مونستيريون» اليونانية، هي روسبيا مدينة الفينيقيين التي أسّسها سكان صور في القرن الرابع قبل الميلاد تناديك لتكتشف سحرها وتتجول في تفاصيلها، روسبينا التي ساعدت حنبعل القرطاجني في حربه ضدّ الرمان جاء محمّلة بخيراتها وثقافاتها المتنوعة لتلبي شغف الزوار للفنون.

المجسم في الباب لرباط المنستير، الرباط الذي أحاط بالمدينة لحمايتها وهو ذلك الحصن الصغير الذي شيّد في القرن الثامن لحمايتها وتمّ توسيعه في وقت لاحق من قبل سلاطين تونس ثم من قبل العثمانيين وتحول الآن إلى متحف يضم القطع النادرة،ويعرّف بالمنستير المدينة التي ولد فيها رئيس الجمهورية الاولى ومحرر المرأة ونصيرها الزعيم الحبيب بورقيبة.

فالمنستير التاريخية نزلت بثقلها وتلويناتها وتاريخها إلى قلب المدينة، المنستير برباطها وجامعها الكبيرو لمطة وبوحجر والمكنين وقصر هلال، بنان وجمّال والبقالطة والوردانين وصيادة وبني حسّان والزرمدين، القصيبة وطبلبة وبنبلة والساحلين، مدن وأرياف ضاربة في التاريخ ساهمت في حركة التحرر الوطني وكانت محركا أساسيا للعديد من الاحتجاجات التي احتضنتها المكنين ونضالات رجال الوردانين ومؤتمر قصر هلال جميعها جاءت للمدينة حملت القليل من الكثير ففاح شذى التاريخ في قلب المدينة النابض باسم الفن.

الأطفال المخترعون يبدعون في يومهم
ولد الحلم صغيرا وها قد أينع وأثمر ورودا وزهورا وعقولا عاشقة للعلم والاختراعات، هم صغار هذا الوطن وعلماؤه الصغار ومخترعوه الذين رفعوا الراية التونسية في أكثر من محفل دولي وهم يهتمون بالعلم والتكنولوجيبا، أبناء الجمعية التونسية لمستقبل العلوم والتكنولوجيا أبناء الأستاذ حاتم سليمان العاشق للعلم والمهتم بتمرير المعرفة وحب التكنولوجيا إلى أبنائه.

حاتم سليمان الأستاذ والأب والصديق هو أيضا المدافع عن حق أبنائه في السفر للمشاركة في المسابقات العالمية، أستاذ برتبة وزارة فهو الذي يتحمل وزر مسؤولية وزير التربية ووزارة الثقافة والعلوم أيضا حين يتصدى لكل محاولات التشكيك في قدرة الأطفال على الإبداع.

في بهو المدينة كان للجمعية التونسية لمستقبل العلوم والتكنولوجيا معرض صغير جلبت فيه بعض اختراعات أبناء الجمعية من مشاركاتهم في المسابقات الدولية، فالجمعية منذ تأسيسها أولا في 2007 عملت بجدية وسعت للنهوض بالناشئة في المجال العلمي وبعد تأسيسها القانوني والفعلي في 2011 أصبحت عنوانا لتميز الأطفال التونسيين في مجال الاختراعات واحتضنت مدينة المكنين مقر الجمعية مخبر للتجريب للحلم لاختراعات الأطفال الذين كلما شاركوا في مسابقة عالمية فازوا بالذهب ورفعوا راية هذا الوطن.

في المقابل قوبلت انجازاتهم ونجاحاتهم بالكثير من الصمت الإعلامي من قبل المسؤولين أيضا صمت قابله إصرار الأطفال على مزيد النجاح والحصول على كاس العالم في التكنولوجيا للعام 2019 والعودة بها تونس.

والمميز هو تكوين جيل أصبح يتحمل مسؤولية الحديث عن الجمعية وتوجيه الزوار والاهتمام بالأطفال واختراعاتهم والحديث بسلاسة عن العلم والاختراعات وتبسيطها لكل من يسأل وتلك ميزة أن يكون الأستاذ صديق تلاميذه كما تشرف الجمعية على تنظيم المهرجان الدولي للعلوم والتكنولوجيا بالمنستير في شهر مارس.

من النفايات يكتب كمال الزغيدي منحوتاته
ذهبي اللون، شامخا، يمسك بمكنسته على ظهره كيس ضخم، التفاصيل دقيقة كأنها صورة صاحبها تنعكس على المرآة، منحوتة تجسم الثقل الذي يعانيه عامل النظافة ذلك الذي ينظف المكان يكنس الشوارع وينحني ظهره بسبب ثقل الحمل وينهك لتكون الأمكنة أنظف لكنه يعرف الكثير من الازدراء في هذا الوطن وتكريما له، تكريما لنفسه انطلقت إبداعات كمال الزغيدي ورحلته مع رسكلة النفايات ليقدم منحوتة عامل النظافة بتلك الجمالية ويبدع في نحت التفاصيل كأنه يرسم ذاته.

في البهو الخارجي للمدينة، المنحوتات العملاقة أخذت حيزا من المشهد الجمالي، بألوانها الزاهية تبعث فيك السؤال عن موادها وكيفية تشكيلها هي ليست لفنان محترف أو ممارس للفن بل صنعتها أنامل عامل نظافة شارك في ورشة لصنع العرائس فاكتشف سرّا دفينا داخله هو موهبته في النحت فقرر خوض غمار التجربة «في البداية ولقلة الموارد اختار النفايات كمادة أولية، وبعد أولى المنجزات، قررت أن أواصل مغامرة تحويل النفايات إلى أعمال فنية» كما يقول الزغيدي وهو يشير إلى منحوتاته وبريق سعادة الأطفال يسكن في مقلتيه.

زرافة بألوان زاهية، فيل بلونه الرمادي وتفاصيل الخرطوم الدقيقة، شجرة دقيقة الصنع وأعمال أخرى جميعها صنعت من النفايات جميعها حولتها أيدي عامل النظافة إلى أعمال فنية، الأشياء المتروكة التي نراها في الحاوية صنع منها كمال الزغيدي تشكيلات وتنصيبات تمتع الباحث عن تفاصيل الجمال وأكد الزغيدي انه انطلق منذ 2015 في عملية تجميع النفايات وفرزها ثم صناعة منحوتاته وتكون «أوراق السيمان والجرائد» هي آخر المراحل في عملية التزيين، وكلما تحدث عن أعماله أشار انه يريد دوما تكريم عامل النظافة في هذا الوطن، ومن النفايات صنع عامل النظافة أجمل المنحوتات التي شاركه في جمالها جمهور المدينة.

علي البرقاوي سيّد البورتريه
ذاكرة المدينة وذاكرة الوطن، تفاصيل يبدع عاشق البورتريه وسيده الفنان علي البرقاوي في تخليدها، ضمن يوم المنستير كان لأعمال البرقاوي حضورها من خلال إحدى عشرة لوحة نقلت القليل من الكثيرمن فن البورتريه الذي يتقنه البرقاوي ويتفنن فيه، وتتوسط اللوحات منحوتة لرأس الزعيم الحبيب بورقيبة، منحوتة ذهبية اللون تنقل تفاصيل الوجه والنظرات المرشوقة إلى الأمام كتعبيرة عن الهيبة والبرقاوي عاشق الزعيم تفنن كثيرا في رسمه لبورقيبة تشكيليا ونحتيا.

بالريشة واللون خلد علي البرقاوي شخصيتين سينمائيتين الأولى الطاهر شريعة باعث أيام قرطاج السينيمائية والثاني نجيب عياد الذي غادرتنا روحه في العام الفارط، اللوحتان وضعتا متجاورتين كانّ كل منهما تكّمل الأخرى.

أبناء المنستير وعلماؤها عرّف بهم البرقاوي من خلال البورتريه، بالرسم قدم الفنان لمحة عن أهم مبدعي ولاية المنستير وداعمي الحركة الثقافية والسياسية والإبداعية في مدينة منفتحة على البحر تغريك كلما زرتها، من مبدعي الجهة وأبنائها رسم علي البرقاوي كلا من خليفة السطمبولي سيد المسرح في روسبينا و رضا القلعي وعبد الله فرحات احد أشرس النقابيين ومن مؤسسي الاتحاد العام التونسي للشغل ، في فن البورتريه يبدع علي البرقاوي في ملامسة التفاصيل، يخاطب روح الشخص المرسوم وينقل تفاصيله الذاتية وأفكاره على محياه فتكون أعماله تنطق جميعها باسم الفن والحرية والتمرد.

متحف حرز الله لفتوغرافيا
عمر عبادة حرز الله علم من أعلام التصوير الفوتوغرافي في تونس وفي مدينة المنستير هو رئيس اتحاد الفوتوغرافيين التونسيين ورئيس فرع تونس لاتحاد المصورين العرب، عاشق الكاميرا والمهتم بالتوثيق ونقل التاريخ وقصص الأمكنة عبر الصورة جاء إلى المدينة مصحوبا بخمسين كاميرا على الأقل لتعريف زوار المدينة بجزء من تاريخ التصوير الفوتوغرافي في متحف حرز الله للفوتوغرافيا، المتحف المفتوح للزوار في مدينة المنستير لصاحبه عمر عبادة حرزالله يضم أكثر من 900 الة تصوير بالإضافة إلى الاكسسوارات والصور والكتب المختصة في مجال التصوير جميعها في متحفه الأول من نوعه في تونس الذي يعتبره «كنزا حقيقيا وقبلة للباحثين والدارسين المختصين في التصوير الفوتوغرافي» كما جاء ببعض الألواح «النيغاتيف» التي كانت تستعمل في طبع الصور قبل عصر التحميض، آلات يعود بعضها الى القرن 19واخرى استعملت في القرن العشرين جميعها وثائق حية شاهدة على تطور فنّ التصوير الفوتوغرافي وهي جزء من الذاكرة العالمية التي حاول عمر حرز الله حفظها وصيانتها للباحثين.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا