تمثل المغرب في المسابقة الرسمية لأيام قرطاج المسرحية: «سماء أخرى» تسافر بالمرأة إلى دنيا الحرية

على خطى «لوركا» ونفسه الشعري الدافق وحبره المفعم بالشاعرية... حلّت المسرحية المغربية «سماء أخرى» في أيام قرطاج المسرحية

لتهب إلى الجمهور فسحة من التفكير والتأمل وتهديه شحنة من الانعتاق والتحرر وكسر القيود. لم تكن المسرحية مجرد عرض ينافس على التانيت الذهبي للمهرجان بل هي دعوة للإنسان للتمرد على الضعف والانكسار وتذكرة سفر مفتوحة نحو أفق أجمل في «سماء أخرى».
من غرناطة إلى المغرب، ومن وحي مسرحية «يرما» للشاعر الإسباني غارسيا لوركا اقتبس المخرج المغربي محمد الحرّ عوالم مسرحيته «سماء أخرى» في إنتاج لمسرح «أكون» وتمثيل كل من جليلة التلمساني وهاجر الحميدي وسعيد الهراسي وهشام بسطاوي.

وإذا المرأة سئلت بأي ذنب هي عاقر؟
هي امرأة متقدة بوهج الحياة ومتفائلة بالأمل والحلم... أما هو فهو روتيني اليوميات وبارد المشاعر والكلام. فإذا ها زوجان يجمعهما سقف واحد ويفرّقها ألف اختلاف واختلاف!
على ركح » سماء أخرى «تخلت بطلة المسرحية عن موهبتها ووظيفتها في التصوير الفوتغرافي تحت ضغط حكم الزوج في المجتمع التقليدي. فإذا بها تتحوّل من صانعة للجمال إلى سجينة للقضبان تتسلّى بين الجدران بمتعة ترتيب الصور وقد حولت بيتها إلى استديو للتصوير بعد أن استحال عليها الخروج للعمل.

أما الزوج فكأنه كائن من ثلج ورماد يعجز عن احتواء زوجته العاطفة والعقل والجسد.. بعد أن تبّخرت قصة الحب إثر إمضاء عقد الزواج.

في هذه الحياة المملة التي انعدم فيها الانسجام بين الزوجين، كانت سلوى المرأة التي تتماهى في مونولوغ مع نفسها يسمعه الجمهور وهي تشكو من سوء حظها وتبث لوعة وجعها وتبوح بسرّها الدفين...

بكل بساطة هي أنثى تحلم بالخصب والأمومة وتتمنّى زرع بذرة الحياة في أحشائها حتى تتغيّر وتيرة حياتها وتتبّدد وحدتها وتتخلص من التصاق صفة «عاقر» بها دون ذنب لها !

شاعرية نص مفعمة بالرمزية
هم أشخاص يشبهوننا ولا يشبهوننا يتحرّكون فوق ركح مسرحية «سماء أخرى» كما ندور نحن في فلك الحياة. ولكننا قد نعثر في تقاطع مشاهده وحواره وإيماءات نصه وحواره على شيء منا ومن الوجود ومن الحلم المنشود.

في مناخات «لوركا» المسرحية وعوالمه الشعرية ولكن بروح مغربية، قدّم المغربي محمد الحر مسرحيته على خشبة تنبض بالقضية وتتبنى المرأة وجعا وأملا ... كانت المسرحية عبارة عن فسيفساء من الرموز والاستعارت التي تصلح لانتعال حذاء أكثر من رسالة تمشي بيننا وإلينا.

وقد اجتهد صاحب «سماء أخرى» في جعل عرضه متماسك المعنى والمبنى، و في العزف على أوتار السينوغرافيا المدروسة، وفي الربط المحكم بين بانوراما من الفنون يحضر فيها الرقص والضوء والموسيقى وعلى ركح «سماء أخرى» تقمّص الممثلون الأدوار شخصية وهوية كما اتخذت ألوان أزيائهم دلالات مختلفة، فصدحوا من الأعماق بالنص وطوعوا الجسد بكل حواسه لإيصال الرسالة إلى الجمهور الذي صفق كثيرا تجاوبا مع هذا العرض الذي تجاوز العادي ليلامس الإبداع تحت سقف «سماء أخرى» .
حكاية عن الإنسان في كل فصل وفي كل أوان

بعيدا عن حدود الزمان والمكان و في تجرد من ربقة الأسماء والمسميات... جاءت شخصيات المسرحيات بلا هوية محددة بل صالحة لكل إنسان يجد نفسه فيها تحت أي سماء كان.

لمَ الشخصيات تكن مجرد أشخاص بل كانت نماذج بشرية عن المرأة المضطهدة والمحرومة من غريزة الأمومة والأخرى التي تبحث عن الحنان والأمان حتى في وجود الأطفال ... وأيضا عن الرجل المقيد بالعادات والتقاليد والمستسلم للقدر المحتوم والآخر الحالم بحياة أفضل بعيدا في أرض أخرى.
إنها مواعظ ودروس تقدم لنا قصص شخصيات عقيمة الفكر وعاقرة العطاء تعاقر كأس اليأس والوجع دون كسر أغلال الخضوع والخنوع والخروج من الأسر بحثا عن حياة أجمل تحت «سماء أخرى».

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا