فلم «قيرّة» جديد فاضل الجزيري: «صاحب الحمار» لا زال يركب الثورات ويغتال الحريات

«استمتاعى بملاعبة المشاهدين تماما كمتعة اللعب على البيانو. «..هذا ما فعله بنا المخرج فاضل الجزيري في «ڤڤقيرّة»

وقد أجبرنا على على الإشاحة ببصرنا عن الشاشة أمام هول المشهد، وعلى حبس أنفاسنا في انتظار اللحظة الحاسمة، وعلى التزام مقاعدنا دون ضجر أو ملل... فكأننا نتكلّم بلسان أبطاله ونمشي بأقدامهم ونصرخ بحناجرهم... «قڤيرّة» لم يكن فيلما تقليديا أو سينما معتادة، بل حكاية شيّقة وقصة مؤرقة وخرافة خالدة عن الأمس واليوم... وغدا.

بعد» ثلاثون» و»خسوف «تأتي «ڤيرة» لتتمّ الثلاثية السينمائية للفنان فاضل الجزيري ... وهي بتصرّف كبير مستلهمة من ملحمة أبي يزيد بن خويلد الكدادي الذي انتقل من وضع داعية ثائر ومحارب شجاع إلى حاكم جائر و سفّاح ماكر...

حبكة سيناريو مدهشة !
لئن كانت نكهة البدايات هي الطُعم الذي يغرينا بالوصول إلى النهايات، فقد رمى المخرج فاضل الجزيري بصنارة صيد حواس المتفرج وإحساسه منذ المشهد الأول لفلم «ڤيرّة»، ليقع الجميع في فخ الفرجة الشيّقة والمؤرقة في آن واحد على امتداد حوالي ساعتين من الزمن دون ضجر أو ملل.

في استهلال الفلم كانت صورة النّار الحمراء كالدم وهي تلتهم الحطب بشراهة تشي منذ البداية باشتعال لهيب الفتنة والمؤامرة والحرب... إنها الحرب الملعونة التي تسري كالنار في الهشيم في المدن من القيروان إلى صفاقس إلى تونس... ولئن كان قائدها معلوما وهو أبو يزيد بن خويلد الكدادي فإن مدبريها وجواسيسها يلبسون الأقنعة ويختفون وراء رداء الدين والفقه وأشياء أخرى.

يعود فاضل الجزيري في فلمه الجديد «ڤيرة» إلى فصول التاريخ ليخرج ثورة «صاحب الحمار» من تابوت النسيان ويعيد إحياءها في القرن 21 بتصرّف وتطويع حسب سياقات العصر الحالي. أما أبو يزيد بن خويلد الكدادي المعروف بـ»صاحب الحمار»، فقد قال عنه ابن خلدون في كتابه العبر «وهو صاحب الحمار- من أهل قسطيلية... وكان يختلف إلى بلاد السودان بالتجارة... وخالط النكارية من الخوارج... فمال إلى مذهبهم وأخذ به.... وكان يذهب إلى تكفير أهل ملته واستباحة الأموال والدماء والخروج علي السلطان... ولما مات المهدي خرج بناحية جبل الأوراس وركب الحمار وتلقب بشيخ المؤمنين، فاتبّعته أمم من البربر...».

ولئن استلهم فاضل الجزيري من ثورات التاريخ فلمه، فإنه لم يتوّرط في حدود ذلك الزمان ولم يخضع إلى خطيّة الوقائع والأحداث بل كتب نصا صالحا لكل الأزمنة والأمكنة قد يتحدث عن «صاحب الحمار» كما قد يلامس ثورة «بن غذاهم»... وكل الثورات التي حادت عن مسارها الطبيعي و طغت فيها سلطة الحكم على مطلب العدل وصار فيها الكرسي هو العبادة والمعبود.

ومما أثار الانبهار والاندهاش هو تلك القدرة العجيبة التي امتلكها فاضل الجزيري في المزج في الفلم الواحد بين الماضي والحاضر، التاريخ والواقع، ثورة صاحب الحمار ووضع تونس الآن وهنا... فإذا به يأخذنا في جولة بين المعالم الأثرية وأزياء الأسلاف ولكنه في الوقت ذاته يجعلها تستعمل وسائل الاتصال الحديثة وتركب السيارات العصرية وتعيش مخاض اللحظة الراهنة... ولعل براعة الجزيري التي فاجأت الجميع تكمن في امتلاكه شفرات مزج هذه الأزمنة المختلفة في فلم واحد دون أن يحدث الأمر تشويشا أو لخبطة في ذهن المتلقي بل على العكس كانت الخلطة العجيبة مصدر إعجاب وتحية الجمهور.

الكرسي عدّو الثورات وخائن العلاقات
في نسق تصاعدي وصاخب المشاهد وعلى إيقاع الحركة السريعة والمتوّثبة و المستعدة للانقضاض على الأحداث، كان لابد لفلم « ڤيرّة » أن يستنجد بالرواي (سامي النصري) ليضع الوقائع في إطارها ويعلّق عليها ويروي تطوراتها حتى يساعد المتفرج على الفهم والإدراك ويغريه بمواصلة الفرجة حتى النهاية لإتمام الحكاية التي رواها لنا فاضل الجزيري على لسان الراوي كالخرافة.

وبعيدا عن وهم النجوم وسراب الشهرة، اختار المخرج فاضل الجزيري أبطال فلمه بكثير من الحرص والوعي، فأبدعوا دون استثناء في لعب الأدوار ومخاتلة المشاهد لتوريطه دون حول أو قوة منه في مشاعر التعاطف أو الكره، الشفقة أو الشماتة، اليأس أو الأمل ...

في « ڤيرّة » يحملنا المخرج إلى عوالم «بوزيد الكدادي» (أتقن دوره الفنان طاهر عيسى بالعربي بكثير من المتعة والإقناع ) ليحدثنا عن رجل يقتل بوحشية ويغتال بقسوة ويتعطش للدم كما يتعطش لدوام النعمة وعدم زوال الكرسي، وإن كان الثمن التضحية بحياة أبنائه وابنته الوحيدة وأخيه عمّار الأعور (وقد تقمص الدور علي الجزيري بمنتهى الحرفية) الذين رافقوه في حياة البطش والقتل... فأن يقتلهم جميعا إخراسا لثورة الشعب لايهم ، المهم أن يبقى له الكرسي.

نص جميل وموسيقى آسرة
في «ڤيرة» لم يذهلنا فاضل الجزيري فقط بوصفه مخرجا بارعا أبدع نسج خيوط فلمه وأجاد ربط شريط أحداثه ليحدث فينا الدهشة الجميلة، بل أيضا لكونه صاحب النص الآسر اللفظ والبديع النظم والجميل المبنى والمعنى... لقد كان النص سواء كان حوارا بين الشخصيات أو تعليقا على لسان الراوي مغرقا في الملحمية ومغلفا بالشاعرية. فكان آسرا للآذان ومحرّضا للجمهور على تذوّق متعة الاستماع إلى لغة عذبة وشيّقة كأسرار الخرافات وصنعة الحكواتي... لقد جعلنا فلم «ڤيرة» نكتشف فاضل الجزيري الكاتب بعد أن عرفناه مخرجا سينمائيا ومسرحيا وشاهدناه ممثلا واكتشفناه فنانا تشكيليا في بعض المناسبات.

إلى جانب اهتمام المخرج فاضل الجزيري بكتابة النص بمنتهى الفن والذوق... فقد أولى اهتماما كبيرا بالموسيقى التي قضى في البحث عن مفاتيحها وآلاتها وطبقاتها حوالي السنتين من الزمن. وقد نجح صاحب «ڤيرة» في جعل موسيقى الفلم تقرع على إيقاع الطبل السمع وتدعوه أن يرهف الاستماع إلى شجن الزكرة وترتيل الذكر وتساقط المطر وصوت الرصاص... كل هذه الأصوات وأكثر اجتمعت في فلم واحد دون تنافر أو نشاز بل استطاع فاضل الجزيري أن يكوّن منها سمفونية مختلفة وجملة موسيقية مميّزة لا تخلو من أبعاد روحية وصوفية كما تلامس الموروث الموسيقي والإرث الغنائي التونسي.

في هذا السياق لم يكن جينيريك النهاية في الفلم مجرد تذكير بفريق الفيلم وأماكن التصوير بل جاء ثريا بأغنية تلخص الوضع وتحوصل الحكاية، من بين كلماتها ما يلي: «على طبّة خضراء سكنوها عبيد، عايشين بالقدرة، مسلسلهم الحديد... غورة بغورة وغدرة...روس للذل محنيّة، قلوب حجر... والهمّ ماشي ويزيد...».

جمالية عالية في الصورة السينمائية
في الحرب يدور رحى الخوف والجزع ليسجن الجميع في فضاءات مغلقة، فلا فرق كبير بين سجين في زنزانة ضيقة وبين ملك يلازم قصره ومربضه خوفا من الأعداء ويخشى الخروج إلى الشارع حتى لا يصطدم باحتجاجات المواطنين... هكذا بدت لنا عوالم « ڤيرّة » قاتمة، موّشحة بالسواد، مخضبة بالرماد والخراب... ولكن المخرج كان رحيما بجمهوره وأبى سجنه في الممرات الضيقة والزنزانات المخيفة والدهاليز المظلمة بل كان يروّح عليه بين الفينة والأخرى في فسحة مع المناظر الطبيعية الخلابة والمعالم الأثرية الشامخة على غرار مائدة يوغرطة وقصبة سيدي بومخلوف وجامع القيروان وآثار مكثر...

وفي مراوحة بين ثنائيات الظلمة والنور، الحرب والحب، الانغلاق والانفتاح... اختار المخرج فاضل الجزيري أن يشتغل على تقنية المشاهد القريبة واللقطات الكبيرة ... وفي هذا السياق يعلّق المخرج فاضل الجزيري بالقول: «إنّ غياب الآلات والتقنيات أو ضعفها في إنتاج الصورة السينمائيّة جعلنا ندبّر هندسة خاصة لهذا العمل نستطيع وضعها بسهولة داخل المواقع المختارة للتصوير. وهذا الرّسم يمكّن المتفرّج من التطلّع على فلم له عدّة منافذ تسهّل استعاب تسلسل الحركات والمواقف، وهو ما يعطينا إمكانيّة إنارة متنوّعة و يأطّر الصورة بصفة واضحة و يلزمنا من الناحية الجمالية على ابتكار مشهد مغاير للمعهود يليق بالمرحلة التاريخية التي نعيشها.»

المرأة بالغة الخطورة... تجيد القيادة
هي المرأة الداهية، القائدة، القوية... العصيّة على الاستسلام وعسيرة الانكسار التي صوّرتها عدسة كاميرا المخرج فاضل الجزيري. لقد جاء فلم «ڤيرة» وفيا لمبدأ التناصف في الأدوار، فوّزع البطولة بين المرأة والرجل على حد سواء. بل ربما منح مواقع القيادة الحقيقية في المعارضة كما في الحكم للنساء. وقد كانت ابنة بوزيد التي أدت دورها بمنتهى الإقناع والحرفية آمنة الجزيري وهي تدير الجهاز السري لمنظومة الحكم أكثر بطشا ووحشية وتعطشا للدم أكثر من الأمني الرجل... في المقابل كانت «للّة عايشة» التي أبدعت سارة الحناشي في تقمّص دورها نموذج المرأة المعارضة التي لا تمنعها سياط التعذيب من معاودة مواجهة السلطة ولا يوقفها خطر التهديد من حياكة الدسائس والتلوّن كالحرباء من أجل الوصول إلى الهدف مهما طال المشوار وتكاثر جند الحراسة...

وفي نهاية الفلم منح فاضل الجزيري المرأة شرف قتل الدكتاتور واغتيال الطاغية «بو زيد» على يد امرأة تظهر كالطيف في الفلم وتكره الرجال الذين «رائحتهم بالدم».

في «قيرة» لا يتعلق الأمر بداية ونهاية، أحداث تاريخية بإسقاطات سياسية، بل هو صرخة فزع ودعوة للوعي بالتاريخ.

في أيام قرطاج السينمائية 2019:
هل ظلمت لجنة التحكيم «ڤيرّة» ؟!
في سنة 2016، اختار المخرج فاضل الجزيري أن يعرض فلم «خسوف» خارج المسابقة الرسمية لأيام قرطاج السينمائية إلا أنه راهن على فلمه «ڤيرة»للتنافس على التانيت الذهبي في المسابقة الرسمية للمهرجان سنة 2019. إلا أن الفلم لم يحرز على رضا لجان التحكيم ولم يحصل على أي من الجوائز ، فهل مثل الأمر خيبة للفاضل الجزيري؟ عن هذا السؤال أجاب الجزبري لـ«المغرب» بالقول: « بعد تعب وجهد في صناعة هذا الفلم بكل شغف وبحث حيث لم نغفل الاهتمام بأي من جوانبه التقنية والفنية، كان عدم التتويج خيبة أمل بالنسبة لنا وقد ذهب في ظننا أننا أنجزنا فلما مهما يستحق المشاهدة والإشادة. لكن لجنة التحكيم لم تر ما رأينا ربما لأنها لجنة «سيّسة» ومهذبة لا تروق لها الأفلام خارج سياق «الرسمي».

الجذاذة الفنية للفلم «ڤيرة»
• إنتاج :مؤسسة الفلم الجديد
• سيناريو: فاضل الجزيري
• موسيقى: علي الجزيري
• صوت: فوزي ثابت
• صورة: أمين مسعدي ومساهمة الراحل أحمد معاوية
• بطولة : طاهر عيسى بالعربي وسامي النصري وسارة حنّاشي وآمنة الجزيري وعلي الجزيري ويحيى الجزيري وهيثم الحذيري وخالد بعلوم ومحمد كوكة وغيرهم...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا