في افتتاح أيام قرطاج السينمائية في القاعات والسجون: «عرايس الخوف» لنوري بوزيد يسائل «الترويكا» عن توّرطها في «جهاد النكاح»

بعيدا عن بهرج الأزياء وهوس الأضواء على السجاد الأحمر، سار فريق فلم «عرايس الخوف» لنوري بوزيد إلى ما وراء العمران

لفك عزلة السجون وتبديد غربة الحياة وراء القضبان. وإيمانا بحق السجناء في الفن والثقافة، كان انطلاق أيام قرطاج السينمائية في السجون لسنة 2019 بتوقيع «عرايس الخوف» الفلم ذاته الذي افتتح رسميا المهرجان داخل القاعات. وما بين المخرج ونزلاء سجن المرناقية كان النقاش ذا شجون سيما وأن النوري بوزيد قد عاش تجربة السجن المريرة والطويلة بسبب انتمائه إلى منظمة العامل التونسي وريثة حركة آفاق «برسبكتيف» .

خيمة كبيرة سوداء اللون ومكتظة المقاعد بأكثر من 700 سجينا غادروا زنزانات سجن المرناقية، ليعانقوا لحظات من حرية التفكير وتحرر الإحساس والخيال أمام شاشة السينما في مشاهدة «عرايس الخوف». وبالرغم من أن ظروف العرض على المستوى التقني لم تكن على ما يرام، فقد ابتهج السجناء بقدوم أيام قرطاج السينمائية إليهم لمؤانستهم ولو إلى حين والاستمتاع إليهم كجمهور يحلّل وينقد بفكر حر رغم أن حرية الجسد مقيدة إلى أجل مسمّى.

نساء «داعش» والمصير المظلم
بعد أن حصد الجائزة الخاصة لحقوق الإنسان خلال عرضه العالمي الأول في الدورة 76 لمهرجان البندقية السينمائي في سبتمبر 2019، افتتح فلم «عرايس الخوف» لنوري بوزيد أيام قرطاج السينمائية 2019 «دورة نجيب عياد في القاعات كما في السجون. بعد غياب لحوالي 13 سنة عن المهرجان، عادت سينما النوري بوزيد إلى الواجهة والجمهور خارج المسابقة الرسمية بعد أن سبق له الحصول مرّتين على التانيت الذهبي، الأولى سنة 1986 عن فلم «ريح السد» والثانية سنة 2006 عن فلم «Making Off .

في مشاهد متوترة في عمومها وخطوات سريعة في مجملها، كانت زوايا تصوير «عرايس الخوف» تلاحق أثر شبكات تسفير ورطت فتاتين في شباكها، فإذا بالشابة الأولى «زينة» تعود بجسد محطم وقد باعها زوجها الإرهابي هي وابنها الرضيع إلى قائد الكتيبة. أما الفتاة الثانية «دجو» فتهرب من بؤر التوتر وفي أحشائها جنين لا تعرف هوية أبيه وقد تداول على اغتصابها عشرات الإرهابيين كالوحوش.

ولئن تبذل المحامية «نادية» كل جهودها في الدفاع عن هاتين «الإرهابيتين» في نظر القضاء والمجتمع والضحايا أمام أنفسهن ومرآتهن، فإن «دجو» تضع حدّا لحياتها التي استحالت إلى جحيم بالانتحار في حين أن «زينة» تهرب إلى المجهول بعد أن حاول أبوها قتلها حرقا ليحرق معها وصمة العار التي لحقته جراء تورطها في جهاد النكاح.

تضييق على المثلية الجنسية وتهاون مع شبكات التسفير
على تخوم القضية الأساسية في «عرايس الخوف» التي تسلط الضوء على مصير النساء العائدات من بؤر التوتر ومدى جدية القضاء في التعامل مع ملفاتهن وتسامح المجتمع في إعادة إدماجهن، تنمو قضية ثانية تغوص في موضوع المثلية الجنسية وتفضح بشاعة الأحكام والأوصاف المسلطة على هذه الفئة رغم أنها لا تشكل خطرا على المجتمع ولا تهدد الأمن العام حسب الفلم الذي جعل من الشاب المثلي «إدريس» رجلا في سلوكه لا في فراشه من خلال مساعدته «زينة» بمنتهى التحضر والإنسانية ودون انتظار جزاء أو مقابل.

لئن كانت الجرأة والاستماتة في الدفاع عن فكره الحداثي سمة أفلام النوري بوزيد، فإنه في «عرايس الخوف» لم يشذ عن هذه القاعدة وكان جسورا في تسمية الأشياء بمسمياتها في الإعلان صراحة عن فسح «الترويكا» المجال لشبكات التسفير إما تساهلا أو تواطؤا، وكذلك التصريح بتورط رابطات حماية الثورة في إلقاء الشابات التونسيات والشبابا عموما في فخ جهاد النكاح وبؤرة الإرهاب.

ربما كان فلم «عرايس الخوف»سيحدث الصدى والجدل الكبير لو تم عرضه سنة 2013 ، العام نفسه الذي كتب فيه النوري بوزيد السيناريو في تزامن مع كل هذه الأحداث. لماذا تأخر إنتاجه إلى سنة 2019؟ يجيب النوري بوزيد «المغرب» فيقول: « فعلا تمنيت إنتاج الفلم منذ 2013 لكن المنتجين كانوا يهابون السيناريو كأنه تهمة ستلاحقهم بفضل جرأته في الطرح .. حتى عثرت على المنتجين عفاف بن محمود وخليل بن كيران اللذين آمنا بالمشروع فساهما في بعثه إلى الحياة. ولو تم إنتاج «عرايس الخوف» سنة كتابته لكنت أجرأ ألف مرة من الآن ...أنا لا أخاف شيئا... ولا أخاف أحدا !».

سينما النوري بوزيد ومناصرة قضايا المرأة
إن كانت السينما هي مرآة المجتمع وذاكرة الأجيال، فقد كان من الطبيعي أن تترجم أفلام ما بعد الثورة التوّجس والحذر من غول الإرهاب وأن تسلط الكاميرا الضوء و»الزووم» على فظاعة عقل «خفافيش الظلام» ووحشية سلوك « فئران الجبال» لدق ناقوس الخطر والتنبيه للأسباب والتحذير من النتائج...

وقد سخّرت أحدث الأفلام التونسية نصها وأبطالها لخدمة قضية الوطن في مكافحة الإرهاب على غرار «زهرة حلب» لرضا الباهي و»ولدي» لمحمد عطية» و»فتوى» لمحمود بن محمود» .... ولكن فلم «عرايس الطين» للنوري بوزيد جاء مختلفا ومميزا من حيث الاشتغال على المرأة أوالفتاة العائدة من بؤر التوتر لا على الرجل أو الشاب المتورط في الانتماء إلى تنظيمات إرهابية.

من «عرايس الطين» إلى «عرايس الخوف»... بقي النوري بوزيد وفيّا لقناعته بأن المرأة عروس جميلة بطبعها ولكن الرجل هو من يتآمر على هذا الحسن الخارجي ونقاء السريرة الداخلي ليعكر صفو حياتها ويشوّه صورة المجتمع ككل باعتبار أن هذه المرأة هي نصف المجتمع. ويبدو أن للمخرج علاقة خاصة بعالم العرائس، فكما اشتغل المخرج على تيمة «العرائس» في فلمه «عرايس الطين» بأن جعل بطلته تجيد تشكيل عرائس الطين، فقد خصّص حيزا هاما لحضور عرائس صغيرة من خشب وقماش في فلمه «عرايس الخوف» وأيضا أوكل لإحدى بطلاته (سندس بلحسن) مهمة تشكيل هذه التحف الفنية بمنتهى الإحساس والذوق. وفي تصريح لـ«المغرب» حول سرّ هذا التعلق بالعرائس في تسمية أفلامه واحتلالها مشاهد أعماله، اكتفى النوري بوزيد بالتعليق :» حقيقة لا أجد إجابة.. اللاوعي يجعلني أقحم هذه العرائس في أفلامي. ربما لأني أصنعها بنفسي في بيتي بشغف وحب ولكنها ليست للبيع».

وإن كانت ميزة أفلام النوري بوزيد الظهور في أغلب أفلامه ككمثل بسيط أو حتى مجرد «كمبارس»، فيبدو أنه تخلى عن هذا الدور ليهبه إلى المخرج التونسي عبد الحميد بوشناق الذي ظهر في «عرايس الخوف» في لقطة واحدة واكتفى بنطق كلمات معدودة.

في «عرايس الخوف» لم يتغيّر النوري بوزيد فكرا ومبادئ وقناعات... وبقي على العهد والوعد في التصدي للتشدد الديني و الدغمائية والانغلاق ومناصرة قضايا المرأة والاختلاف والأقليات... وتلك هي فلسفة سينما أيام قرطاج السينمائية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا