في أيام قرطاج الموسيقية 2019 : «سجينات» يستعدن بالغناء جرعة من الحرية

قفل وقضبان وقلق الانتظار ... هكذا يقضي القابعات والقابعون في السجون أيام رتيبة بين أبواب موصدة ودمعة حبيسة وأحلام بالحرية.

ولأن الفن أقصى درجات ممارسة الحرية، فإن الأمر يصبح سيّان كان من يحتمي بشريعة الفن حرّا مغردا كالطير أم أسيرا إلى أجل مسمّى باعتبار أن الفن يحقق إنسانية الإنسان. وقد منحت أيام قرطاج الموسيقية في دورتها السادسة المصدح والركح للسجينات حتى يكون لهن حفلهن الخاص، وحتى يكنّ فنانات يصدحن بترانيم الحب والأمل وينشدن أغاني الحياة.

لئن كان للفن بما هو نور عابر للقارات والمحيطات ومتسلل إلى ما وراء القضبان والأسوار حضور في السجون ومراكز الإصلاح التونسية ممارسة ومشاهدة، فإنّ أيام قرطاج الموسيقية وبالشراكة مع الإدارة العامّة للسجون والإصلاح، اختارت أن تستضيف عرضا موسيقيا من إبداع نادي الموسيقى والغناء في سجن النساء بمنوبة بدل تنظيم حفل ما داخل السجن حتى تكون النزيلات هن المبدعات لا مجرد جمهور ومستمعات.

تحليق على أجنحة الموسيقى من وراء القضبان
على الركح، وقفت 10 سجينات في غبطة واضحة للعيان وقد غادرن- ولو لمدة وجيزة- حدود الزنزانة ليستمتعن بلحظة انعتاق وتحرّر من ربقة الأسر في حضرة الفن وليمتعن جمهورا تناسى هوية الفنانات ليستسلم إلى نداء الموسيقى، ولا شيء غير الموسيقى!

في أثواب تحتفي بالألوان والحياة، رفلت السجينات في «القفطان التونسي» وقد صرن نجمات الحفل ومحط الأنظار والأضواء بعد أن كنّ في عزلة عن الوجود وغربة عن الوجوه. وبعد أن كانت أصواتهن حبيسة أجسادهن المكبّلة وراء الجدران والأقفال، صدحت حناجر نزيلات سجن النساء بمنوبة أمام الملإ وهي تلامس سقف الحرية في أداء لكوكتال تونسي من أشهر الأغاني التونسية ودرر المالوف على غرار «زعمة النار تطفاشي» و»شرقي غدا بالزين» و»على المقياس» و»عرضوني زوز صبايا» ...

وفي اختيار فنّي مدروس ينم عن ذائقة فنية عالية، اختار قائد الفرقة إسكندر الكراد باقة من الأغاني الشرقية لتؤديها السجينات، الفنانات بمنتهى الإحساس على غرار «يا ورد مين يشتريك» و«يا مسافر وحدك» و«ليالي الأنس في فيانا»... وكان مسك الختام للعرض الموسيقي المؤثر إلى حدّ البكاء و الطربي إلى حدّ الانتشاء عزف وأداء النشيد الوطني التونسي.

انتهى الحفل بعد حوالي ساعة من الزمن، وانفض الجمهور وعادت السجينات إلى ما وراء القضبان لإنهاء مدة عقوبة قد تطول وقد تقصر، ولكن لا شك أن حفلهن بأيام قرطاج الموسيقية قد وهبهن جرعة من الحرية وزادا من الفرح قد يهوّن عليهم جزع الانتظار للحظة مصافحة الحياة بأياد غير مكبّلة بالحديد وغير مسلوبة الإرادة.

سجينات لكنهن فنانات
في محراب الفن تكون الصلوات خاشغة للإنسانية في انتفاء للأعراق والفوارق والأديان... وعلى ركح أيام قرطاج الموسيقية، انتفت صفة «السجينات» لتحتل تسمية «الفنانات» الموقع و تترك الوقع في نفوس الجمهور. إحدى السجينات التي برعت في أداء أغان تونسية صرحت لـ «المغرب» بالقول: «كما كانت الموسيقى في السجن هي العزاء والسلوان للتغلب على الآلام وقهر الأيام، فقد كان هذا الحفل في مدينة الثقافة بمثابة الانتفاضة في وجه العجز والبؤس ونحن محرومات من الحرية. إنها صرخة منا كي نقول للمجتمع نحن نقضي عقوبتنا لكننا نملك بين جوانبنا إحساسا وشعورا ويمكن أن نكون فنانات أيضا . وإنها صيحة في أذن الحياة كي نقول لها مهلا إننا قادمات إليك فاتركي لنا نصيبا من السعادة والأمان.»

وما بين التصفيق الحار والدمعات المنسابة بلا عنان وعبارات التشجيع والإعجاب، غنّت نزيلات سجن منوبة بكل شغف وعشق وكأنهن تسلون بالفن الوجع الدفين في الأعماق، وقد عبرت إحدى الفنانات لـ«المغرب» عن أثر هذا الحفل في نفسها فقالت بتأثر بالغ وهي تغالب دمعة امتزجت بابتسامة سعادة: « كم كنت سعيدة وأنا أشاهد أفراد عائلتي بين الجمهور ينظرون لي بفخر وإعجاب بعد أن كانوا يزورونني مطأطئي الرؤوس في السجن بعد أن حكمت علي الظروف أن أقضي فترة من عمري بين القضبان. صدقا لقد منحني الغناء أمام الجمهور لذة الشعور بأني إنسانة كاملة المواطنة والحقوق. فتحيا الموسيقى التي تهبنا أجنحة الحرية وإن كنا سجينات...».

مهرجان خاص بإبداع السجناء: لمَ لا؟
لئن كان مسلسل «المايسترو» للمخرج لسعد الوسلاتي في الموسم الرمضاني 2019 قد حاول تعرية يوميات طفولة «معذّبة « في مراكز الإصلاح كثيرا ما تحكمها لغة التهديد والوعيد وتعربد فيها ضربات العصا وركلات البوليس بعيدا عن واجب الإصلاح ودور إعادة التأهيل... فإن رئيس الإدارة الفرعية للتكوين والتأهيل والتعليم والتنشيط بالإدارة العامة للسجون والإصلاح طارق الفني قد أكد في تصريح لـ«المغرب» بأن «هذا العمل الدرامي لا يمت للواقع بصلة» مضيفا:» إن المودعات والمودعين بالوحدات السجنية كما مراكز الإصلاح لا يعني حرمانهم من حقوقهم كمواطنين يتمتعون بالكرامة وحسن المعاملة من ذلك توفير الأنشطة الثقافية والترفيهية بكل السجون دون استثناء على غرار 11 ناديا للمسرح و4 نواد للتعبير الجسماني وعدد مهم من نوادي الموسيقى والقاعات متعددة الاختصاصات... ولا تكتفي إدارة السجون ببرمجة عروض في فضاءاتها بل تساهم في تشجيع النزلاء والنزيلات على الإبداع وممارسة الفن عبر تبني إنتاج مشاريع فنية في مختلف الأصناف والفنون...».

ولئن كان وراء القضبان مساجين وسجانون فلاشك أن الفن قد يساهم في أن تكون العلاقة بين الطرفين مبنية على الاحترام والاشتراك في إعلان عقيدة الحياة، سيما وأن الكثير من السجينات والسجناء يملكون مواهب فنية قد تمنح الإدارة العامة للسجون والإصلاح في قادم الأيام شرف تنظيم مهرجان خاص بإبداعات السجناء ويحتفي بتجليات فنية تولد من رحم معاناة السجن لإعلاء راية حقوق الإنسان في سابقة من نوعها ترفع اسم تونس الحرية عاليا في سماوات الكرامة والعدالة... والفن أيضا.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا