صورة وتعليق: هيستريا التلوين من القصبة إلى القيروان: ارحموا الآثار من عدوان الألـوان !

لئن كان «الصمت في حرم الجمال جمال»، فلاشك أنّ الخشوع في حضرة التراث هو صلاة التاريخ في محراب الحضارة...

وفي تونس آثار ومعالم ومواقع شاهدة على عمق تونس وعراقتها وامتدادها في متون العصور وبحور الإمبراطوريات لكنها في حاجة إلى التثمين والترميم والحراسة. وفي «لحظة وعي» مفاجئة، كانت الهبّة الجماعية نحو المخزون الأثري بأوعية الطلاء وفرشاة الألوان لتلوين ما لا يُلوّن وتغيير إطلالة واجهات أثرية في «لزوم ما لا يلزم» !
لقيت مبادرات تطوّع المواطنين للقيام بحملات نظافة وتجميل محيطهم، في الفترة الأخيرة، كل الإعجاب والمساندة. ولكن أن ينفلت هذا الوعي من عقال العقل والمنطق لتمتد يده إلى الآثار في محاولة للتشويه باسم الجمال والمساس بحرمته بحجة التجميل، فإنه اعتداء غير مقبول وممنوع حتى وإن كان عن جهل ودون قصد.

كانت صور نهج القصبة بالمدينة العتيقة وصهريج فسقية الأغالبة وعدد من المعالم الأثرية الأخرى وقد اغتصبت الألوان بكل وحشية عذريتها التاريخية وشوّهت روعة ملامحها الطبيعية «الأخضر والأحمر والأصفر» بطريقة تثير السخط والاشمئزاز وتعبث بالتاريخ ومعالم الحضارة.

والغريب أن زحف «تتّار الألوان» على الآثار وحمّى التلوين والألوان كانت ستتواصل لتعبث حتى بقصر الجم لولا تفطن مصالح حماية التراث إلى هذه «الكارثة الملوّنة» في الإبّان، فإذا بأعوان المعهد الوطني للتراث يتدخلون لمنع مزيد انتشار «موضة التلوين» للمعالم التاريخية ويقومون بمحو ما اقترفته فرشاة الطلاء من ذنب في حق ثروة الأجيال والإنسانية جمعاء.
ولوضع حدّ لـ«هستيريا» التجميل التي اكتسحت المدن العتيقة والمعالم الأثرية، أصدرت وزارة الشؤون الثقافية وكذلك المعهد الوطني للتراث بلاغا يدين هذا التعدي الصارخ على التراث الوطني والذي تمنعه مجلة حماية التراث الأثري والتاريخـي والفنون التقليدية.

وبدل الإساءة إلى المخزون الأثري والتاريخي، يمكن المواطن أن يكون واعيا في حماية المعالم والمواقع عبر الحراسة المواطنية والذاتية لها والتصدي لمحاولات تشويهها والتدخل العشوائي في معمارها والتحسيس بضرورة الحفاظ على نظافتها وعدم إلقاء الأوساخ في محيطها ...

وفي محاولات تجميل المدن ككل من مداخل وأزقة، تبقى عملية صياغة سيميولوجيا الشارع وجماليّة الفضاء العام فنا وإبداعا ليسا متاحين للجميع بل شأن الفنان والمصمم وخريج معاهد الفنون والحرف... قصد صياغة مقاربة فنية تحترم الذائقة الجمالية بعيدا عن السطحية والاجترار الركيك للرموز الحضارية لكل مدينة والتمثل الفج للفلكلور... فكثيرا ما تكون المدن مرآة تعكس مدى تحضر الشعوب والأوطان.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا