النخبة المثقفة والانتخابات: «ميحي مع الأرياح...»

«على المثقف أن يتحمّل تمثيل الحقيقة بأقصى ما يستطيع من طاقة بدل السماح لراع أو سلطة بتوجيهه.» هكذا قال إدوارد سعيد.

كما علمتنا كل الفلسفات والأطروحات أن مكانة المثقف في المجتمع في مرتبة النبي الذي يساهم في عمليات التغيير والإصلاح وعلى شاكلة مشكاة النور التي تضيء طريق المحبة والإنسانية في عيون المجتمع. فهل مازال للنخب الثقافية والفكرية دور وتأثير في خيارات مجتمعاتها وهل لها أثر في تشكيل الخطاب السياسي والاجتماعي الراهن؟

على أعتاب الانتخابات الرئاسية والتشريعية في تونس 2019 ، اصطف عدد قليل من المثقفين على خط السباق في منافسة للسياسيين الذين طالما أقصوا الثقافة وهمشوها في برامجهم الانتخابية. ولازم السواد الأعظم منهم الحياد رغم محاولات الاستقطاب والتدجين وثنائيات الترغيب والترهيب... أما الصنف الثالث فقد تحوّل إلى مادح يحرق بخور الشكر والثناء على باب أهل السياسة وممجدا لمرشحه كقائد همام لا يشق له غبار!

كثيرا ما تحوّل البعض من المثقفين من مرحلة التعبير عن الموقف والصدح بالرأي والبلاد أمام اختبار سياسي حاسم إلى ارتداء ثوب المناشدة ووضع قبّعة «التابع» الأمين الذي يلهج باسم من اختاره من المرّشحين صباحا، مساء... وفي كل الأوقات.

وبعد أن كشفت الانتخابات الرئاسية عن نتائجها وفائزيها، انجرفت هذه الفئة الانتهازية من المثقفين المتزلفين وراء موجة المنتصرين، وأعلنت دعمها للمحرزين على أعلى نسب الأصوات في تلوّن الحرباء وتنّكر لأصدقاء الأمس وتملص من مناشدات الماضي القريب !

قد نستحضر هنا أغنية الشاذلي الحاجي :«ميحي مع الأرياح وين بغيتي...غربي وجنوبي وشرقي وشمالي...» للتعبير عن هذا التحوّل والتبّدل والانقلاب عند البعض من أهل الثقافة الذين تخلّوا عن أدوارهم ومسؤولياتهم كقوّة تعديل وتصحيح واستشراف ليكون السقوط المدوّي في فخ ألاعيب السياسة وقذارة لعبتها... فإذا بهم يخسرون موقعهم كقادة فكر ويفقدون شعبيتهم بين الناس.

في النهاية، تبقى مكانة رجل الثقافة أفضل من موقع رجل السياسة. فالمثقف يمتلك سلطة الفكر التي يمكن أن تبسط أمامه سجاد القصر وطريق الكرسي، أما السياسي فكثيرا ما يفتقد عقل المثقف فيتمنّى هده السلطة المعنوية لدعم سلطته السياسية دون أن يطالها.. دون أن ينالها.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا