تظاهرة «قصيّر ويحيّر» في دورتها الثالثة: 5 أفلام قصيرة بكاميرا العمق والجماليات

لئن كان أحلى الكلام وأصعبه ما قلّ ودلّ، فلا شك أن أعسر الأفلام أقصرها وأبلغها... وبالرغم من مشقة ولادة الفيلم القصير إلا

أنه كثيرا ما يكون عصيّا عن الترويج والجمهور. وهنا، تأتي تظاهرة «قصيّر ويحيّر» لتجمع في حصة عرض واحدة 5 أفلام مميزة عادت من منصات أفلام عالمية وحازت على تتويجات مشرّفة حتى تكون قريبة من الجمهور ومطلوبة في شباك التذاكر.
انطلاقا من اليوم الخميس 11 سبتمبر 2019 يكون جمهور السينما في العاصمة وعدد من الجهات على موعد مع تظاهرة «قصيّر ويحير» في نسختها الثالثة. وقد تم تخصيص عرض خاص بالصحافة والإعلام يوم أمس في قاعة الطاهر شريعة بمدينة الثقافة.

«بلاك مامبا» لآمال قلاتي:
انتفاضة إمرأة في وجه قدر مسيّر
بعد أن فاز الفيلم التونسي «بلاك مامبا» للمخرجة آمال قلاتي بأكثر من جائزة في عدد من المهرجانات السينمائية على غرار مهرجان الأردن الدولي للأفلام والمهرجان الإفريقي للسينما والتلفزيون بواغادوغو.. كان العرض الأول لهذا الفيلم الروائي القصير في تونس ضمن تظاهرة «قصيّر ويحيّر» في نسختها الثالثة.
«بلاك مامبا» من بطولة سارة الحناشي وتروي المخرجة آمال قلاتي بكاميرا التشويق والمفاجآت حكاية فتاة تعيش وفق نمط حياة خطته الأم وفق المعتاد والمألوف في سياق الامتثال لأعراف المجتمع. فكانت حياة سارة عبارة عن تعلم دروس في الخياطة والاستعداد للزفاف من رجل كيفما أتى، المهم ألا تبقى بلا زواج. وحدها كانت رياضة الملاكمة في ممارستها السرية بعيدا عن عيون الأم هي المتنفس الوحيد لسارة الذي تجد فيه ذاتها وكيانها ورغبتها .... وفي النهاية تكون هذه الهواية هي المنقذ والمخلص من عذابات حياة لم تخترتها بإرادتها ... فإذا بها تهرب من حفل الزواج إلى عالم الرياضة من باب المشاركة في الألعاب الأولمبية.

«كعبة حلوة» لعبد الحميد بوشناق :
العدل المنفذ ومهنة الشقاء
بمنتهى الذكاء والطرافة، يستلهم المخرج عبد الحميد بوشناق موضوع فيلمه القصير «كعبة حلوة» من معاناة مهنة عدول التنفيذ في مجتمعنا التونسي، حيث يقابل أصحابها دائما بالوعيد والتهديد وينالهم السب والشتم ويطالهم الضرب والاعتداء فقط لأنهم يحملون الأخبار السيئة ويبّلغون عن قرار قضائي مزعج إلى من يصله التنبيه. فكيف للشاب مهدي حديث التخرج من الجامعة وقليل الخبرة في المهنة أن يتحمّل رد الناس العنيف كل مرة وهو الذي بالنسبة إليهم نذير شؤم؟
بتقنيات سينمائية مختلفة ومثيرة للانتباه، اختار المخرج أن يصوّر بطله (عزيز الجبالي) من الخلف وألا يكشف عن وجهه إلا في المشاهد الأخيرة من عمر الفيلم. هذا الوجه الذي تحول من الوداعة إلى الجريمة... فكانت النهاية بتوقيع العنف والدم.

«بلبل» لخديجة المكشر:
ابتسامة بتوقيع المجتمع التونسي
في فيلمها القصير «بلبل» أبدعت خديجة المكشر في التقاط موضوع فيلمها من تفاصيل الحياة اليومية التي تبدو بسيطة لكنها بعيون المخرجة كانت أعمق بكثير حتى استحقت أن تكون محور فيلم أضحك كثيرا وحصدت التصفيق والإعجاب .... في بطولة لفاطمة بن سعيدان وفتحي العكاري والشاذلي العرفاي، يروي فيلم «بلبل» حكاية امرأة تعيش الفراغ والروتين حتى يأتي الفرج بفضل قاعة الأفراح التي بجوارها حيث تصبح ضيفة قارة في حفلات الأعراس التي عكست باختلافها فسيفساء المجتمع التونسي وطبقاته الاجتماعية ومستوياته الثقافية ... وكما تفرغ فاطمة بن سعيدان في كل حفل تحضره ومع كل رقصة ترقصها أوجاع القلب وأتعاب الفؤاد، فإنها تفرغ صحون الحلويات في حقيبة يدها...لتتقاسم هذه الغنيمة مع زوجها صباح الغد. كانت قاعة الأفراح «الليلة ليلتك» سببا في استعادة البطلة لأنوثة ظنت أنها هربت منها...فكان لها من السعادة نصيب.

«السماء تصرخ» لقيس الماجري:
حقيقة أم خيال؟
هو فيلم مربك، مخيف، محيّر، قدّمه المخرج قيس الماجري وأبطاله سهير عمارة ونجيب بلقاضي و فاطمة بن سعيدان... ما بين الخيال والواقع ، تروادنا كاميرا «السماء تصرخ» وتلاعبنا على حبال الرومانسية والرعب في سرد قصة زوجين ينتظران ولادة وشيكة لطفلة أولى يبتسمان للحياة الجديدة وهما على متن سيارتهما في طريق شبه خالية وسط الحقول والهضاب... لكن أحلام اليقظة أفسدتها عصابة من نابشي القبور تعترض الزوجين وتختطفهما إلى حيث تكون المأساة ومحاولة النجاة من الخطر المحتوم. فليس من الغريب في هذه المناخات المخيفة والمظلمة، أن تتالى مشاهد المقاومة للسلاسل والحبال و القيود وأن تسيل الدماء بلا هوادة في فيلم لا نعلم هل هو اشتباك بين الخيال والواقع، أم هو كابوس سوداوي بإخراج سينمائي.

بطيخ الشيخ لكوثر بن هنية:
حول زعامة المساجد ..صراع أيضا
بعد أن حصد الفيلم التونسي القصير “بطيخ الشيخ” للمخرجة التونسية كوثر بن هنيّة، نجمة مهرجان الجونة السينمائي البرونزيّة، حط الرّحال في قاعات السينما التونسية ليداعب جمهور الفن السابع على إيقاع معزوفة سينمائية متميزة لمخرجة تمتلك زواية إخراج لا تشبه غيرها.
وبعد أن منحت في فيلمها القصير السابق «يد اللوح» البطولة لأحمد الحفيان، فإن المخرجة جددت الثقة في الفنان نفسه في فيلمها الجديد «بطيخ الشيخ» .. ورغم الفارق الزمني بحوالي خمس سنوات بين الفيلمين، فإنهما يتقاطعان عند نقاط التقاء عديدة.
بطيخ الشيخ من بطولة أحمد الحفيان وبلال سليم، يروي قصة إمام مسجد هو محل تقدير واحترام لكن مساعده الهارب من سوريا يتربص به لافتكاك مكانه كما يتربص بالحي والمسجد لنشر الخطاب المتشدد كواجهة لممارسات النفاق والخداع والانحراف... فكان وقوع الإمام المعتدل في فخ قبر مزيف لا يحمل جثة امرأة مزعومة بل عددا من ثمار البطيخ (الدلاع) فرصة للمساعد للاستيلاء على زعامة المسجد قبل أن ينتقم الإمام لنفسه وكرامته.
وقد اختارت كوثر بن هنية أن تقول في «بطيخ الشيخ» أن الصراع لا يكون فقط من أجل كرسي الحكم بل حتى من أجل إمامة بيوت الله.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية