الدورة 36 لمهرجان قابس الدولي : نجاح جماهيري غير مسبوق على حساب... الذائقة الفنية والجمالية..

عاشت ولاية قابس ولمدة شهر تقريبا على وقع الدورة 36 لمهرجان قابس الدولي تحت شعار

«وتستمر الخطى الى ما نريد» وبدعم استثنائي من قبل وزارة الشؤون الثقافية لكن ما الذي بقى في الذاكرة من هذه الدورة؟ وهل استطاعت أن تحقق جل أهدافها؟

دورة كانت وفية لثوابتها المتمثلة في الندوة الفكرية التي اهتمت بالسرد مجددا من خلال موضوع كان مصدر جدل «قابس: سبعون عاما من السرد» وقد سجلت الندوة التي عقدت يوم 12 جويلية اي قبل يومين من الإفتتاح الرسمي، مشاركات من تونس والجزائر والمغرب وكان بالإمكان اختيار محاور اهتمام أخرى غير السرد.. كذلك تمت برمجة سهرة قابسية من إنتاج المهرجان في الافتتاح وضعت تحت شعار «لحن الوفاء» تكريما لابن الجهة الفنان الصادق العمري وقد أقيمت في مسرح الهواء الطلق الذي شهد حضورا جماهيريا كبيرا ليشكل حفلا «قابسيا» / لمة قابسية لعديد الوجوه الفنية أصيلة الجهة لكنها افتقدت للروح وللرابط الذي يجمع بين مختلف الأنماط والألوان الفنية فضلا عن غياب الإنتاج الجديد ليبتعد عن الموضوع الرئيسي وهو الأحتفاء والاعتراف للصادق العمري بما قدمه في مجال الموسيقى طيلة عقود، أما عن سهرة اختتام المهرجان، فقد شكلت مجددا مشكلة حيث وكما كان منتظرا تم الغاؤها وهي سهرة تكريمية لابن للجهة صلاح مصباح والتي صاحب برمجتها كثير من القيل والقال وردود الأفعال الغريبة؟!
14 عرضا أمام شبابيك مغلقة لكن...

حسب هيئة المهرجان وفي تصريح لمدير الدورة لسعد بوخشينة في الاختتام، أكد على أن العروض المقدمة أمام شبابيك مغلقة بلغت 14 عرضا أي الثلثين مقارنة بعدد 10 عروض للدورة الماضية وهذا يحسب لإدارة التظاهرة التي اختارت العروض الفنية التي يطلبها الجمهور ولو على حساب الجانب الإبداعي والفني الراقي وقد تجسد هذا الاختيار خاصة في المسرح «وان مان شو» حيث كان موعد جمهور هذا الشكل المسرحي مع مسرحية «بيغ بوسا» لوجيهة الجندوبي التي شكلت استثناء إيجابيا مقارنة بالسائد من هذه الأعمال ، «دوبل فاس» لكريم الغربي وبسام الحمراوي التي عرضت في سهرتين، «لا هكة لا هكة» لنضال السعدي ومسرحية «جاست عبدلي 100 % تابو» للطفي العبدلي... أما عن باقي السهرات الفنية وإن تميزت جملة منها بحضور ركحي متميز وأداء فني راق على غرار سهرة المطربة التونسية يسرا محنوش والفنان المصري هاني شاكر والفنانة اللبنانية اليسا والفنان وائل جسار والعرض الفرجوي الصوفي «الزيارة»، فإن بعض السهرات افتقدت لهذه العناصر على غرار سهرة نوبة 2019 لسمير العقربي فرغم الحضور الجماهيري الكبير فإن اخراج هذه السهرة كان رديئا بامتياز حيث سادت الفوضى على الركح «سوق ودلال» لحركة المغنين مع تقطع في لوحاتهم الراقصة باعتبار أنهم تخمروا قبل الجمهور كذلك ترتيب الأغاني لم يخضع لخيط رابط يجمعها لتؤكد ارتجالية هذا العمل الذي انطلق من تصور مشوش فغابت الرؤية.. جمهور قابس تفاعل مع هذه السهرة كأنها سهرة عرس، فرقص على إيقاعات «الطبلة» و«الدربوكة» و«المزود» فتمايلت الأجساد وتعالت الاصوات مع أغان شعبية حفظها ومنذ طفولته لأسماء خالدة في الفن الشعبي والبدوي...

كذلك كانت سهرة لطيفة العرفاوي محل صدمة واستغراب للمستوى الفني الضعيف حيث حضر الجمهور بكثافة وغاب الفن واندثر الابداع وهذا طبيعي مع غياب الإنتاج الجديد للطيقة التي اطنبت في «التخريف» مع الجمهور فتحولت الفرقة المصاحبة إلى اوركسترا وساد نشازا عاما، كما استعرضت مواهبها في الرقص مع رشدي بلقاسمي الذي حزمها باقتدار كما سقطت ودون أن تشعر خلال أدائها لأغاني شعبية ذات طابع ليبي خاصة في تقليد الليبية اسماء سليم.. ليبقى التساؤل في العروض الكبرى لمً هذا الاختلاف الجوهري في عرض يبرمج في قرطاج ثم في قابس أو جربة أو سوسة او مدنين وعروض «لطيفة» و«سوكلين» و«الالجرينو» نماذج؟ فسوكلين ترك الجمهور لأكثر من نصف ساعة مع دي جي ثم أطل بعدها لعشرين دقيقة ليترك الركح مجددا لشخص ثان ليعود مجددا الدراجي ويغني ما غناه سابقا تقريبا ليكون العرض المهزلة الذي افتقد الشكل و للمضمون وأمام هذا الفشل الفني اختار الهروب من الندوة الصحفية تفاديا للمواجهة.. أما سهرة «الالجرينو»، فخلفت استياء لدى جمهور مسرح الهواء الطلق بقابس الذي رفض الخروج مع نهاية سريعة للسهرة وذلك بسبب قصر مدة العرض الذي لم يتجاوز الساعة في حين أن العقد الذي أبرمه مع هيئة المهرجان يتضمن ساعة ونصف كحد أدنى علما وان المنظمين اختاروا الاكتفاء باعتذار بسيط من «الالجرينو»...

ختاما شكلت الدورة 36 من مهرجان قابس الدولي التي امتدت من 14 جويلية إلى 9 أوت 2019 نجاحا جماهيريا استثنائيا قد يكون حاجزا و رقما يصعب الوصول اليه من قبل المشرفين على التظاهرة مستقبلا لكن في المقابل لا بد من إعطاء الجانب الإبداعي مكانة مهمة في اختيار العروض والا تغلبت العروض التجارية باعتبار أن تنظيم المهرجانات والدعم الموجه لها يتناسى أهم بعد في هذا المجال - واول المتناسين وزارة الشؤون الثقافية وسياساتها -، وهو التفاعل مع الجمهور والعمل على صناعة التغيير في صلبه، خصوصا لدى الفئات الشابة التي يتعين أن يكون النشاط الفني عامل إدماج وتثقيف لها وتربية وشعور بالمواطنة، هذا ويجب النظر بجدية في بعض الهنات التنظيمية خاصة التصدي لظاهرة تفشت خلال هذه الدورة وهي السوق السوداء في بيع تذاكر جل العروض دون أن ننسى ضرورة التفاعل مع ممثلي وسائل الإعلام القادرة على توثيق فعاليات التظاهرة والتسويق لصورة أكثر إبهارا وجاذبية خاصة مع نجاحات كبيرة تحققت في مسيرة المهرجان..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية