وداعا نجيب عياد: في الرحيل الكبير .. نحبك أكثر

رجل آخر يصعد إلى السماء، فنان آخر يسافر إلي البعيد حيث لا عودة ولا رجوع... لكن كيف للموت أن يستوطن جسدا لم ينفذ وقود حماسه وشبابه بعد؟

كيف لنبضة أخيرة خرساء أن تعبث بقلب عاشق حتى النخاع للفن والحياة؟

ليست هي المرة التي يراود فيها الموت نجيب عياد مغريا إياه بأكثر من سيناريو للرحيل الأخير، لكن روح الفنان كانت تعود منتصرة بعد كل معركة لتملأ الدنيا صورت وأفلاما وابتسامات... بعد عناد، بعد عتاب يغادر رجل الكاميرا والسينما الحياة بعد أن اختطفت أنفاسه سكتة قلبية غادرة وقد بلغ من العمر ما يناهز 66 عاما نذرها للدراما والفن السابع.
هو الوجه الضاحك على الدوام، المبتسم في وداعة للفن والفرح ... يتحدث بوضوح وتواضع ولا يتكبّر عن الاعتذار واحترام الرأي المخالف... لا يعتكف في برجه العاجي بل يمشي بيننا في الشوارع ويجلس في المقاهي ويأخذ بيد الشباب إلى حديقة الإنتاج وبوابة الشهرة.
لعل ما سيبقى لنا من ذكرى ملامح نجيب عياد وجه طيّب تغشوه حمرة وهاجة بشغف الحياة وشعر أبيض متمرد على الحدود والقيود وعلب سجائر أمامه يلتهمها بنهم ويدخنها بشغف وكأنه يعانق في دخانها نشوة أو غيمة أو وعدا بولادة حلم جديد !

في آخر حوار جمع «المغرب» بنجيب عياد على هامش إدراته لأيام قرطاج السينمائية سنة 2018، كان الراحل يصارع وقتا يداهمه بلا هوادة لكنه منحنا وقته بكل اهتمام وسخاء متباهيا بأنه «لا شيء ينقصنا لنكون بحق سوقا سينمائية عربية وإفريقية».
وعن أثر بصمته في إدارة المهرجان العريق أكد ما يلي: «أعتقد أني أترك المهرجان في أمان واستقرار بعد أن أصبح له مقرّ ثابت وفريق عمل دائم يشتغل طوال السنة للتحضير للدورة المقبلة . كما صار المهرجان يهتم أكثر بالجانب التوثيقي وحفظ الذاكرة السينمائية وفي رصيد قاعدة بيانات محترمة ومحيّنة....»
في ذات اللقاء أكد نجيب عياد أنه اكتفى بإدارة دورتين متتاليين من أيام قرطاج السينمائية لأن التعب أصابه والشوق للإنتاج السينمائي يناديه... قائلا:»الانسحاب يعود إلى رغبتي في التفرغ للإنتاج سيّما وأنني انتهيت مؤخرا من إنتاج فيلم جديد للمخرج عادل بكري تمّ تصويره للمرة الأولى من نوعها في مدينة حيدرة بولاية القصرين وهي قرية جميلة ولكنها للأسف مهمّشة وتفتقر إلى أدنى مقوّمات السياحة... ومن المنتظر أن تشهد الأشهر القادمة ولادة فيلم جديد للمخرج أمين بوخريص وفيلم آخر للمخرج عبد الله يحيى».

إذن رحل نجيب عياد ولم نعلم بمصير أفلامه وأحلامه ولكننا نعلم أنه استجاب لطلب بقائه مديرا لأيام قرطاج السينمائية 2019 رغم قراره الحاسم مسبقا وكأنه يدرك حسا وحدسا أنه لن يكون !
وداعا نجيب عياد ... ففي الرحيل الكبير لن ننساك بل سنحبك أكثر !

مسيرة نجيب عياد في سطور
وُلد الراحل في 13 ديسمبر عام 1953، عمل صحفيا وناقد أفلام بين 1975 و1980، تربى منذ الستينيات في مدرسة نوادي السينما التي كانت بمثابة الحضن الأول لجيل كامل من المبدعين والمؤسسين للسينما الوطنية التونسية، عمل عضوا في لجنة الأفلام التونسية التابعة لوزارة الثقافة، كما أنتج أكثر من 10 أفلام قصيرة وطويلة.
وترأس الفقيد العديد من المهرجانات منها المهرجان الدولي لفيلم الأطفال والشباب ومهرجان أيام قرطاج السينمائية منذ دورة 2017، كما كان رئيس اتحاد نوادي السينما في تونس عام 1975، كما بدأ الراحل مغامرة الإنتاج السينمائي مع رفيق دربه الراحل أحمد بهاء الدين عطية، مما جعله من بين أهم المنتجين السينمائيين الوطنيين، أسس الراحل سنة 1998، شركة الضفاف التي من أفلامها «أوديسه» سنة 2003، و»ملائكة الشيطان» سنة 2007 و»مملكة النمل» و»الحي يروح»...
كما أنتج العديد من المسلسلات التلفزيونية التونسية على غرار فلاش باك وناعورة الهواء ويوميات امرأة ولأجل عيون كاترين والريحانة وقمرة سيدي محروس ويا زهرة في خيالي....

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية