عرض «انتقال» لمثقال الصغير من سوريا ضمن أيام قرطاج الكوريغرافية في قاعة الفن الرابع: جسد الراقص هويته وبه يعيد كتابة جغرافيا الوطن

جسده ذاكرته، جغرافية الجسد تلخص جغرافية وطنه، حركاته ذاكرة المكان و «الحارة» والطفولة، حركاته تؤرّخ لوطنه الذي غادره

تحت صوت الرصاص والقنابل وصور الجثث المرمية على مرمى البصر، جسده كل عالمه معه يعيد كتابة جغرافيا الوطن وبه يعيد احياء تاريخ بلاده ويخبر الاخر انّ وطنه ارض لميلاد الحب والأمل ، بلاده منجم للمبدعين ، بلاده تاريخ ضارب في القدم وبجسده سيعيد كتابة هذا التاريخ ويقدمه الى المتفرج في كل انحاء العالم من خلال «الرقص».

هكذا جسد الكوريغراف السوري مثقال الصغير القاطن بمونبيلييه الفرنسية، كوريغراف يلخص وجيعة السوريين وينقل وطأة الحرب وقسوتها من خلال الرقص، يرقص منطلقا من الدبكة الشعبية ليخوض غمار الحرب واللجوء حاملا المتفرج الى عوالمه المشحونة بالحرب والقسوة ومنها يخلق تاريخا جديدا للدبكة.

الجسد بطاقة هوية
ضوء اصفر متقطع يقسم الرّكح الى اجزاء كاّنه تعبيرة عن انقسام داخلي يعيشه السوريون في وطنهم المجزّء بسبب الحرب، لا وجود للموسيقى اصوات انفاس الحاضرين اثّثت لموسيقى افتتاح العرض، أصوات أقدام تمشي الهوينا على الركح يدخل شخص يحمل كفنه بين يديه، يضعه على قاعة الركح ويبدأ في الرقص، الكفن هو الاشارة الى الموت .

الموت الذي خيم على افكار السوريين وأعمالهم وحياتهم منذ انطلاق الثورة السورية التي اصبحت حرب مدن ثم دخول داعش الى أرضهم يرقص ذاك الجسد وينتفض انتفاضة طائر ذبيح يرفض الموت في أقصى الركح يوجد حذاء عسكري يلبسه ويرفع الكتفين وتبدأ حفلة الرقص، رقصة يستحضر معها مثقال الصغير الكوريغراف السوري بطولات جيش بلده منذ انبعاثه، يستحضر بطولات رجال بلاده ضدّ كل طغيان، يرقص «الدبكة العسكرية» كما يسمونها، ومن خلال حركات القدم على الركح يصنع موسيقى العرض، فـ الرقص هو الشعر الخاص الذي تنظمه اقدامنا». حد تعبيرجون درايدن.

ضربات رقيقة على الركح تزداد قوة بتقدم الوقت، ضربات القدم وهي ميزة رقصة الدبكة تصنع موسيقى العرض، الجسد الراقص المتلوي الذي يأخذ مواضع عديدة ويعبّر عن افكار متعددة هو سينوغرافيا العرض، صوت تقطعات انفاسه وتهدّجها يكتب سيناريو العرض الذي يقدمه جسد انهكته فكرة الحرب فخاض غمارها وبالرقص يريد ان يعبّر عن الام شعبه ومواطنيه وبجسده يعيد كتابة هموم وطنه واوجاع السوريين الذين تشتتوا وبعد ان كانوا مواطنين اصبحوا «لاجئين» في جلّ دول العالم.

بجسده كتب الكوريغراف وجيعة التهجير والهروب من الموت، حركات اليدين المقيدتين وصعوبة المشي تشير الى الاغلال التي توضع حول رهائن داعش، الجسد غير القادر على الوقوف والذي يحدث صوت ارتطامه على الارض موسيقى قوية كانها تعبيرة عن سقوط بناية بسبب الحرب، الحركات مضطربة كانها تنقل قلقا يعيشه الفنان والمواطن فهي تعبر عن الصراع الداخلي والمشاعر المتناقضة، التي مر بها الكثير من السوريين بسبب صعوبة الإختيار بين البقاء في سوريا ومواجهة الموت أو الهرب، مع إمكانية العودة إلى الوطن الأم كلّ هذه الوجيعة نقلها الجسد بلغته الصامتة.

تلك العيون الزائغة التي تنظر الى العدم هي ملخّص الخوف الذي عاشه المواطن السوري تحت القصف والقنابل خوفا من شبح الموت ووجيعة اللجوء التي جسدتها حركات مثقال الصغيرة المتسارعة والمضطربة ليكون جسد الراقص هنا بطاقة هويته، هو تاريخه وجغرافيا وطنه، جسده حمّال تاريخه وافكاره، جسده وسيلته لنقل همومه وهموم مواطنيه وابناء موطنه اللذين هجّروا وقتّلوا وحرموا من الوطن بسبب الحرب.

الدبكة تاريخ وتأريخ
بعد دقائق من الرقص وحيدا، ينطفئ الضوء تدريجيا ليظهر على الركح راقصون آخرون، ويصبح ثلاثتهم تعبيرة فنية يقدمون خطوات رقصة الدبكة التقليدية وتكون ضربات الاقدام موسيقى مميزة فالكوريغرافيا، تستند بالنسبة لي، إلى حركتين. الحركة الأولى، تأتي أساسا من رقصة نسميها الدبكة، وهي رقصة تعتمد على القدمين، الحركة الثانية التي وظفتها هي حركة اليد، الرقص هنا يعتمد على الذراعين وكأننا ندعو الناس للحضور، لمحاولة وقف العنف أوقد يكون لشيء آخر» كما يقول مثقال الصغير.

في «انتقال» ينتقل الجسد من مكان الى اخر من حالة نفسية الى اخرى من وضعية الى وضعيات مختلفة اخرى من وطن الى اخر ومع كل حالة جديدة يحاول التكيّف والتأقلم وصناعة عالمه الخاص به من جديد مع الحفاظ على خطوات رقصة الدبكة التقليدية فهي جزء من الهوية والذاكرة ومن خلالها تحاول الاجساد المهجّرة استحضار الوطن والامان والطفولة والعائلة والهوية السورية التي يقول عنها الكوريغراف «كيّفت الرقص التقليدي وبالتحديد الرقص السوري التقليدي، مع موضوع التهجير ومع السؤال حول مغادرة الأراضي وإعادة بناء الهوية».

لساعة من الزمن يلتقي الجمهور مع حركات رقصة الدبكة المختلفة والدبكة هي رقصة فلكلورية شعبية منتشرة في بلاد الشام وتمثل فلكلور تلك البلدان، هي رقصة الفرح وعادة ماتمارس في الاعراس والاحتفالات، الدبكة ايضا رقصة الارض والمقاومة وهي عنوان للهوية حين حافظ عليها الشاميون أمام المستعمر و»الدبكة» رقصة للمقاومة الفلسطينية هي ايضا رقصة الهوية السورية ومن تاريخيتها ورمزيتها ولد عرض انتقال الذي يقدمه سوريون مهاجرون غادروا الارض بسبب الحرب.

هم ثلاثة اجساد، اختلفت الوان اللباس والمظهر الخارجي واشتركوا في الحركة الواحدة لتقديم حركات رقصة الدبكة التي تبدأ بطيئة ليرتفع نسقها تدريجيا مع تقدم احدهم ليقدم «الشيلة» و هي حركة تتميز بخروج الرويس او اللويح بقفز سريع مع من خلفه بحركات متنوعة وتستعمل عادة عند خروج الدبكة من «المشي» الى «الدبك».

«انتقال» عرض كوريغرافي تكون اجساد الراقصين حمالة تاريخ، اجسادهم تنقل وجيعتهم ووجيعة وطنهم، اجسادهم تكتب الشتات وتكتب وجيعة المنافي، في انتقال تحوّل من وضعية الخائف الى اللاجئ الغريب، تحوّل من فكرة الامان الى الخوف،خوف حوّله السوريين ابداعا اينما نزلوا من خلال تحويل الكفن على الركح الى وسيلة لاستعمال تقنية خيال الظل فالجسد هنا قبسهم والرقص مطية لمواصلة الحياة ومعاندتها وتقديم الهوية عبر حركات رقصة الدبكة التي تمثل تراث الوطن بكل متناقضاته وأطيافه وقصصه، تراث خزّنه جسد الكوريغراف وأعاد كتابته من خلال رقصات عصرية منطلقها الدبكة بكل رمزيتها.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499