منبــر// حسين الواد كان وككُلِّ الكبَار يكون وسيكُون بقلم: هشام الرّيفي

يستفزّني في الحديث عن المرحوم العزيز حسين الواد تكرّرُ استعمال فعل الكَينونة مُسندًا إلى الماضي: «...كان...كان...»، في إيقاع قاطعٍ فاجعٍ.

وهذا في اعتقادي من تسليمٍ بأنّ الانسان كائنٌ «مُنتهٍ» ومن مُخاتلات اللّغة وقُصُورها: فاللّغةُ-كما تعلمون- تبني ما تُوهِمُ بأنّه الواقع؛ والحال أنّ الواقع في تعقّده وأوساعه وتعدّد طبقاته منفلتٌ عنها على الدّوام. هي تجعلنا، فيما يخصّ موضوعَ الحال، نتصوّر الزّمن في شكلٍ خطيّ وتُقسّم الخطّ، بالرّجوع إلى زمن القول، إلى ماضٍ وحاضر ومستقبل؛ والزّمنُ، عند الاستقصاء، متعدّد مُتراكِب متداخلٌ، فالماضي، مهما بعُد، لا يمضي بكُليّته والمستقبل لا يوجد إلاّ في ما يسمّى حاضرا والحاضر جزءٌ من حركة لا سبيل إلى إيقافها والسّيطرة عليها وقسمٌ عائم من صخرة جليد هائلة.

و ليس الموتُ،على هذا، اندثارًا وغيابًا كليّا عن العالم وإنّما هو، كما جاء في أخصّ ما ميّز حاضنة فكر مصر القديمة و فنّها، انتقالٌ من صيغة في الوجود إلى صيغة أخرى فالانسانُ، كلُّ انسان،يواصل «في رأس ماله الجِيني» سلسلة أسلافه و به يتواصل في سلسلة عَقِبه .و ليس لأحد من الأَناسي، في هذا المستوى البيولوجيّ الأوليّ،فضل على غيره؛وللعلماء و المبدعين و قادة الشعوب و كبار المناضلين، في المقابل، وجودٌ آخر دائم في مستوى ثان متميّزٍ؛ فهم لا يغيبون عن التاريخ وإنّما يواصلون حضورهم فيه بأشكال مختلفة؛ ولا يستقيم،بمقتضى ما ذكرنا، أن نستعمل فعل الكَينُونة في الماضي في الحديث عن حسين الواد؛ فحسين الواد، كما بُناة الفكر وأمراء الكلام، «كان» و«يكون» و«سيكون» بما ترك من «أثر» في ثقافتنا الوطنيّة، ومعنى الحياة يكون بـ «الأثر» la trace.

ثانيا ؛ حسين الواد واحدٌ من ألمع ممثّلي الجيل الثّالث من أساتذة كليّة الآداب والعلوم الانسانيّة (سابقا) وهو جيلٌ كان له دورٌ كبيرٌ في نقل مناهج حديثة في درس اللّغة و الانسان والمجتمع واختبارها ونشرها في الثّقافة الوطنيّة والثّقافة العربيّة بعامّة.

ولقد أسهم المرحوم، إلى جانب رِفقة له بارزون من أساتذة اللّغة العربيّة وآدابها وبتشجيع من المرحومَين توفيق بكّار وصالح القرمادي، في فتح فضاءات بحثٍ جديدة في درس الأدب العربيّ، قديمه وحديثه، وتوفير معاول وصفٍ والتّعريف بأصول مناهج في التّأويل كانت جديدة كلّ الجدّة في أفق البحث ببلادنا في العقدَين السّابع والثّامن من القرن الماضي.ولا أظنّني أُجانبُ الصّواب البتّة إذا اعتبرت أنّه كان بدراسته عن ‹رسالة الغفران› لأبي العلاء المعرّي من الرّواد في التّعريف بالمنهج البنيويّ بتونس والعالم العربيّ ولا يفوتني أن أشير إلى أنّه كان لتلك الدّراسة دورٌ كبير في تطوير تدريس الخطاب السّرديّ بالخصوص بالمعاهد الثّانوية ببلادنا.

وإنّ النّاظر في ما نشَر من دراسات يتبيّن سمةً أساسيّة في مساره البحثيّ وهي سمةٌ ميّزت العقل الأدبيّ الّذي اجتهدت الجامعةُ التّونسيّة في بنائه ؛ فحسين الواد كان في أبحاثه الأولى بنيويّا ثمّ وسّع أفق النّظر إلى جماليّة التلقّي ثمّ أخذ من المناهج ما كان يستدعيه الأثرُ موضوعُ درسه في كلّ مرّة ؛ وفي مؤلّفاته اطّلاع عميق على مُنجزات المدارس النقديّة الحديثة وتضلّع من إرثنا الأدبيّ والنّقدي والبلاغيّ وفكرٌ متحرّر مُتجاوز على الدّوام.

اهتمّ المرحوم بمناهج النّقد الأدبيّ الحديثة وجماليّة الشّعر العربيّ، لكنّه هفَاإلى ما وراء ذلك ،في ما أرى، فالأدب أنساق رمزيّة شتّى تُعبّر بصيغ مختلفة عن «روح الأمّة» حسب عبارة هيغل وحسين الواد فتح في أثناء أبحاثه بعضَ مسالك إلى ذلك السّنخ التوليديّ ودرّب قرّاءه على استكشاف خصائص لغة من لغات ذاتيتنا الثّقافيّة و هذا منحى يوقفنا على الرّهان الكبير والمقصد البعيد لدرس الأدب والفنون عند الكبار من النّقّاد وحسين الواد واحدٌ منهم.

وإنّ ما أنجزه هو وبعض مُجايليه وجيل الآباء المُؤسّسين للجامعة التّونسيّة، يُوقفنا من جهة أخرى، حين نقارن الماضي القريب بالحاضر، على خطر انحسار الاهتمام بالإنسانّيات؛ فالإنسانّيات جُعِلَت اليوم في الهامش بسبب اختيارات سياسات تعليميّةو اختيارات اجتماعيّة ببلادناو بغير بلادنا .وثقافة الشّباب أضحت، لاهتمامهم بالعلوم وحدها، حسيرة عرجاء.وإن تواصلت سياسة التّعليم على ما هي عليه فلن يكون لنا حسين الواد جديد ولا خَلَفٌ لأيّ واحدٍ ممّن سخّروا حيواتهم في سبيل تأصيل فعل التّحديث في الفكر التّونسيّ.

ثالثا؛ لحسين الواد سخاءٌ فكريّ صامت؛ و في هذا الخصوص أذكر على سبيل التّمثيل أمرًا غير معروف، فحين كنت مستشارًا مسؤولا عن إصلاح برامج العربيّة بوزارة المرحوم محمّد الشّرفي، كان يأتي إلى مكتبي مرّة كلّ أسبوع، يسألني عمّا كنّا نخوض فيه من مسائل الإصلاح و يعرض رأيه و يناقش و يقدّم مقترحات يدعو إلى تدراسها في اجتماعات اللّجنة القطاعية . فعل ذلك طَوال سنوات خمسٍ لامتلائه بواجب الإسهام في تطوير مدرسة الجمهوريّة و إيمانه بأكادة مواصلة تحديث التّعليم.

وفي هذا الإطار نفسه أسجّل أنّه أسهم بصيغتين على الأقلّ في تطوير درس الأدب بالمعاهد الثانويّة في بلادنا و إغناء معرفة الشباب ببعض وجوه من اضطلاع كبار أدبائنا بقضايا أساسيّة عاشها الضمير العربي في عهود فارقة من تاريخنا . فقد أشرف على الفريق الّذي أعدّ الباب الخاصّ بشعر أبي الطيّب المتنبّي بكتاب السنة الرّابعة آداب. ولم نكلّفه بذلك على اعتبار أنّه أعدّ أطروحة فذلك الشّاعر الفّذّ بل فعلنا ذلك لأنّنا نعلم أنّه كان ، كما أبو الطيّب، يدافع عن الإرث الثقافي العربي و يستحثّ إلى التّصدّي لبعض مشاريع أحفاد الدّمستق في السيطرة على البلدان العربية و ارتهان ارادتها واستنزاف ثرواتها. و من جهة أخرى أسهم ، على نحو غير مباشر، في جعل أجيالٍ من التلاميذ يطّلعون على بعض أدب أبي العلاء العظيم وفكره النقدي الألق.

رابعًا وفي الخِتام أذكر أنّ آخر لقاءٍ بيني وبين حسين الواد كان يوم تسلّمه جائزةَ توفيق بكّار التقديريّة بمعرض تونس الدّوَلي للكتاب في دورته الأخيرة (افريل 2018). فقد وقفنَا أنَا وهو وصلاح الدّين الشّريف في جناح دارالجنُوب و«أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا» وذكرَ في آخر اللّقاء أنه أهدَى روايته الأخيرة «الغِربان» لرفيقة دربهِ وقرأ لنا نصَّ الإِهداء وهو قوله «للأربعين معنى ليس للعَدَد» ثمّ قرأ شطرًا من قصيدة للمتنبي «وما الا بأن تصغي وأحكي»... مازال رنين كلامِهِ يتردّدُ في النّفس وسيظلُّ ما ألّف حاضرًا في ثقافتنا الوطنيّة على وجه الدهر.

رحم الله حسين الواد فقد كان و ككُلِّ الكبَار يكون وسيكُون.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية