الباقيات الصالحات: رمضان شهر المحبة - 1 -

شهر رمضان الكريم إذا أقبل بخيره وبركته على العباد، ظهرت على العباد علامات محبتهم لربهم جل وعلا، وزادت هذه المحبة في قلوبهم

بزيادة الإيمان، وازدادت الطاعات والعبادات، واجُتنبت السيئات والمنهيات. فإن منزلة المحبة هي المنزلة التي تنافس فيها المتنافسون، وإليها شخص العاملون، وإلى عَلَمها شمر السابقون، وعليها تفانى المحبون، وبروح نسيمها تروح العابدون، فهي قوت القلوب وغذاء الأرواح، وقرة العيون، وهي الحياة التي مَن حُرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات، والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه جميع الأسقام، واللذة التي من لم يظفر بها، فعيشه كله هموم وآلام، وهي روح الإيمان والأعمال، والمقامات والأحوال التي متى خلت منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه! تالله لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة، إذ لهم من معية محبوبهم أوفر نصيب، وقد قضى الله تعالى يوم قدر المقادير بمشيئته وحكمته البالغة: أن

المرء مع من أحب، فيا لها من نعمة على المحبين سابغة، تالله لقد سبق القوم السعاة، وهم على ظهور الفرس نائمون، وقد تقدموا الركب بمراحل، وهم في سيرهم واقفون.   من لي بمثل سيرك المدلل *** تمشي رويدًا وتجيء في الأول إذا غرست شجرة المحبة في القلب، وسقيت بماء الإخلاص ومتابعة الحبيب، أثمرت أنواع الثمار، وآتت أكلها كل حين بإذن ربها، أصلها ثابت في قرار القلب، وفرعها متصل بسدرة المنتهى. لا يزال سعي المحب صاعدًا إلى حبيبه لا يحجبه شيء إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ (فاطر:10). وللمحبة أسباب جالبة لها وموجبة لها، ذكرها الإمام ابن القيم رحمه الله، تظهر هذه الأسباب واضحة جلية في رمضان، بل تزيد في هذا الشهر عن غيره من الشهور، لتزداد المحبة لله جل وعلا في شهر

المحبة. الأسباب الجالبة للمحبة والموجبة لها، وهي عشرة: أحدها: «قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه، وما أريد به»، وهذا السبب يظهر واضحًا جليًا في شهر رمضان، فهو شهر القرآن، فقد كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان مدارسة القرآن على جبريل عليه السلام، «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ

يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ» (متفق عليه). وكان السلف الصالح رضي الله عنهم يكثرون من تلاوة القرآن في رمضان في الصلاة وغيرها، كان الزهري رحمه الله إذا دخل رمضان يقول: «إنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام». وكان الإمام مالك رحمه الله إذا دخل رمضان ترك قراءة الحديث ومجالس العلم وأقبل على قراءة القرآن من المصحف. وفي رمضان التنافس وعلو الهمة والاجتهاد في قراءة القرآن الكريم، والاهتمام بتدبره والتفهم لمعانيه وما أريد به، ليحصل المراد من عظيم الأجر والثواب، وحصول الخشوع والتضرع والبكاء عند تدبره وتفهمه، ليكون له الأثر الأكبر على القلب والجوارح، وتغير

الأقوال والأعمال بما يوافق ما يحبه الله ويرضاه، وهذا من آثار تدبر القرآن وقراءته. الثاني: «التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض فإنها توصله إلى درجة المحبوبية بعد المحبة»، فشهر رمضان شهر نوافل الطاعات من السنن الرواتب، وصلاة الضحى ونوافل الصلوات، وصلاة التراويح التي هي صلاة القيام، وكذلك صلاة التهجد، والحرص عليها في العشر الأواخر من رمضان. وكذلك الحرص على الأذكار الموظفة صباحًا ومساءً، والموظفة بالأحوال عند النوم واليقظة، والخروج من البيت ودخوله، وغيرها من الأذكار، وكذلك الأذكار المطلقة في جميع الأحوال والأوقات، فلعلو الهمة في رمضان أثر في الحرص على هذه النوافل التي تزيد في درجة المحبة لله جل وعلا. 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499