بسبب كتابها «الخلفاء الملعونين»: هشام جعيط يصفه بـ«التاريخ المزوّر» وهالة الوردي تدعو إلى «مبارزة الفرسان»

في كل مرّة يصدر فيها كتاب جديد للدكتورة هالة الوردي إلاّ ويحدث الضجة ورجع الصدى... فبعد أن أثار كتابها «الأيام الأخيرة لمحمد» سنة 2016

جدلا واسعا وانقساما في الآراء بين محيّ لجرأة الباحثة وبين منتقد لخلفياتها ومرجعياتها على غرار وصف الراحل محمد الطالبي لها بأنها انسلاخسلاميّة، متفرنسة، سوّت حسابها مع محمّد»، تعود من جديد هالة الوردي بكتاب «الخلفاء الملعونين» الصادر في فرنسا عن دار النشر «ألبين ميشال» سنة 2019. وقد كان هذا الكتاب الأخير قادحا في اندلاع شرارة «معركة» فكرية بين المفكر الكبير هشام جعيط ودكتورة الآداب والحضارة الفرنسية بجامعة تونس هالة الوردي بسبب «الخلفاء الملعونين».

في كتابها «الخلفاء الملعونين»، تغوص الكاتبة هالة الوردي في التراث الإسلامي لتضع على طاولة التشريح خفايا الأحداث التي حفّت بواقعة «سقيفة بني ساعدة» لتؤكد أنها كانت مسرحا للصراعات والخلافات والمؤامرات من أجل الوصول إلى كرسي الخلافة...

هشام جعيط: «آسف أن أنزل من مقامي»
بالرغم من أنه حديث الصدور فقد أسال الكتاب الجديد للدكتورة هالة الوردي الحبر الغزير في محاولات نقدية لسبر أغوار «الخلفاء الملعونين»، ولكن أية من هذه الكتابات لم تحصد الصدى الواسع الذي انتشر به مقال الدكتور هشام جعيط حول الكتاب ربما لقيمة الرجل العلمية وهو الذي قضى أكثر من نصف قرن في مساءلة التاريخ وتعقب الهوية وتشريح أزمة الثقافة العربية الإسلامية وتحليل القضايا الحضارية...

وفي مقال له نشر بجريدة «الصباح» بتاريخ 24 أفريل 2019 كتب المفكر هشام جعيط: «قرأت كتاب هالة الوردي المعنون بـ»الخلفاء الملعونين»... وإني أرى أن هذا الكتاب»الخلفاء الملعونين»من صنف التاريخ المزور وانه تنطبق عليه الكلمة الفرنسية «escroquerie» أي التحايل الفظ. ولسائل أن يسأل لماذا ذلك؟ والجواب أن المؤلفة تقدم هذا الكتاب على أنه تاريخ يعتمد على قراءة للمصادر والمراجع المعمقة وهو في الواقع رواية تاريخية خيالية ذات منحى إيديولوجي».

ويضيف بالقول: «كون المؤلفة تدعي أنها تنتسب إلى المركز الفرنسي للأبحاث في خلية دراسة الديانات التوحيدية فهذا أمر فظيع لكونها تقوم بتحايل على علم التاريخ لا يليق أبدا بهذا المركز المرموق. وكتابة رواية تاريخية وهو صنف من الأدب الروائي لما جادلها أحد في ذلك, أما كونها تتستر بستار التاريخ العلمي والمغلوط في كثير من الأحيان لتطلق العنان لخيالها فهذا غير مقبول بتاتا. زد على ذلك أن نظرتها لهذه الفترة التأسيسية للإسلام هي نظرة قائمة على أن هذا يمكن قبوله باسم حرية الرأي والتعبير ولا يجادلها فيه مجادل من هذا الوجه. إنما هذا موقف إيديولوجي وفيه تحقير لفترة مهمة وخلاقة من تاريخ الإنسانية».
وختم المفكر مقاله الذي أورد فيه رأيه في كتاب «الخلفاء الملعونين» لهالة الوردي كما يلي : «واني آسف أن أنزل من مقامي إلى مثل هذا السجال لأني لم أقم طوال حياة مديدة بالدخول في جو الخصومات والسجالات ولا أحبذها لأني أرى أنها تتنزل في سجل سخافاتنا وهي كثيرة، لكن هذه الفترة التي نعيشها طفحت بالفساد والتمويه والسرقة ومن وراء ذلك بالغباوة وهو ما يؤلمني في أخر أيامي هذه».

هالة الوردي تدعو جعيط إلى نقاش علمي
تحت عنوان «لا تنزل من مقامك فإنّي صاعدة إليك»، ردّت صاحبة كتاب «الخلفاء الملعونين» هالة الوردي في رسالة مفتوحة على مقال المفكر هشام جعيط لتتساءل في إنكار:»يا للخسارة ! هل أشهر جعيّط إفلاسه بهذا المقال الذي لا يليق به؟ هل فقد ملكة النّقد العلمي و سقط في فخّ السّب و التّشويه؟ وأعتقد أنّك كنت واعيًا بهذا السّقوط حيث تحدثّت بنفسك عن «نزولك من مقامك». فِعلاً لقد نزلت من مقامك لا لأنّك كما تتصوّر قد خصّصت مقالا لزميلة لك تعتبرها «متحيّلة» بل لأنّك بأسلوبك الفظّ وعباراتك العنيفة و اتّهاماتك غير المعلّلة بيّنت عجزك المخجل عن الجدال العلمي وكشفت عن افتقادك لأبسط مقوّمات الأخلاقيّات الأكاديميّة فعوض أن تناقشني اتّهمتني في شرفي وتحدّثت عن «تحايلى» و»تزويري» و«مغالطتي». ما دليلك على ذلك؟ ... وحتى أنقذك من هذا السّقوط المدويّ أقترح عليك فرصة للتّدارك بدعوتك إلى نقاش علمي أترك لك أولويّة اختيار مكانه وتاريخه».

وعددّت هالة الوردي الأسباب التي رأتها دافعا لجعيط حتى يشن عليها «هجوما شرسا» حسب وصفها ومن بين هذه التبريرات كما جاء على لسانها:» : ربّما أزعجك النّقد اللطيف الذي وجّهته لك في كتابي عن الأيام الأخيرة لمحمد حيث بيّنت أن بعض استنتاجاتك تحتاج إلى شيء من التّنسيب...ربما أزعجك الطّابع السّردي لكتبي الذي جعلها في متناول القارئ غير المختصّ ومكنّها من رواج ... ربما أزعجك أنّني منتمية للمركز الفرنسي للبحث العلمي CNRS ... ربما أزعجك أنني اقتحمت ما تعتبره مملكتك وهنا أعلمك بأنّ تاريخ الإسلام ليس ملكا لك ولا لغيرك ...ربما أزعجك أن كتبي تُنشر في واحدة من أعرق دور النّشر الفرنسية وأهمّها...».
وختمت صاحبة كتاب «الخلفاء الملعونين» بالقول :»ماذا أقول لك في ختام هذه الرسالة؟ هل ألعنك كما لعنت فاطمة أبا بكر الصديق لما قالت له :»لأدعوّن عليك في كل صلاة أصلّيها» عندما حرمها من ميراثها كما تحاول أنت حرماني من الإرث المعرفي؟ بالطّبع لا ! ففاطمة المسكينة لم يكن لها حول و لا قوّة أمّا أنا فإنّي واقفة على أرض صلبة ولن أقول لك :»لأدعوّن عليك في كل كتاب أكتبه» بل أدعوك إلى مبارزة فرسان».

وما بين رأي هشام جعيط في كتاب هالة الوردي ورد صاحبة «الخلفاء الملعونين»، طالب متابعو المشهد الثقافي «المتخاصمين» فكريا بتجنب الوقوع في فخ القذف بالتهم وكيل الاتهامات السطحية والجانبية والاحتكام إلى النقد العلمي والجدال الفكري للنقاش وإبداء الرأي بما من شأنه أن يخدم الدراسات المتخصصة في التراث الإسلامي وأن يعلي شأن تونس في هذا المجال المعقد والحساس والمثير للجدل دائما وأبدا.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا