رواق «ناسامو-سامو» لسعد المهزرس في شنني تطاوين: فنان ينحت في صخور النسيان لتزهر فنا

الجنوب هو البداية، في امتداده تولد الاحلام تتشكل وتلتحم لتولد في هيئة جميلة اسمها الابداع، في الجنوب ينطلق الحلم

وفي اعلى جباله يتشكل ويتلون لكتابة الياذة الحب الخالد و الصدق اللامتناهي في علاقة بالأرض والمكان فالارض هنا في الجنوب كما القلب لا نحيا بدونه والمكان كما الاوكسيجين يتنفسه الفنان ليواصل نحت تفاصيل الابداع ، هنا الجبل يتماهى مع امتداد الجنوب فيشكل لوحة تشكيلية مبهرة تدعوك إلى اكتشاف اغوارها.
هنا شنني اميرة الجبل، هنا يلتحم الجبل بالفن، هنا رواق «ناسامو-سامو»، هنا تكتب الالوان حكاية المكان وتخبرنا بقصص من مروا من هنا،هنا صرخات الالوان تكتب صراعات الزمن وبهاء الخط يصور قصص الشموخ وعظمة شنني، هنا عذابات النفس تكتب بالريشة واللون وتغريك بالزيارة، هنا «ناسامو- سامو» رواق للفن والتاريخ يدعوك لزيارته فهلا لبيت النداء.

ناسامو-سامو: ملحمة الاصل والفن
شنني اميرة الجبل تناديك لاكتشاف سحرها، وسماع قصصها وأساطيرها، بعد خمس مائة كيلومتر عن العاصمة تونس تصل الى مدينة من اقدم المدن «تطاون» البربرية ومعناها العيون الجارية، عيون المياه لازال صداها يغوي فناني الجهة ليبدعوا ويقدموا اجمل الصور عن مدينتهم الضاربة في التاريخ.
ستة عشر كيلومترا اخرى لتكون في حضن تلك الساحرة التي تربعت فوق الجبل، ترفع رأسك لتلمح جمالها وتتأمل تفاصيلها، فرغم ان منازلها هجرت ورغم الصفرة المسيطرة على المشهد لازالت تحافظ على قدر هائل من الجمال، لازالت تغوي بالزيارة وتسلق الجبل للاقتراب اكثر منها وملامسة تفاصيل مساكنها، شنني القديمة موطن الفنان سعد المهزرس فنان اختار التمسك بقريته الجبلية وافتتاح رواقه الفني في جبلها تعريفا بها وتمسكا بامه تلك القرية البربرية الشامخة فمن شموخها تعلم الفنان عزة النفس وافتداء الارض بالوانه وفنه ليكون الرواق اول فضاء ثقافي خاص في الجهة.

الحافلة تقترب رويدا رويدا لتتشكل ملامح القرية اكثر، المدينة الجديدة صامتة وهادئة، أعلى الجبل يظهر الجامع للزوار حذو «الرقود السبعة» هو أحد المعالم المميزة لقرية شنني، لازالت الرحلة متواصلة بضع كيلومترات اخرى في شكل نصف دائري حينها ستتراءى لك الاشجار الضخمة شجيرات صغيرة لشدة علو الطريق الجبلي الجميل، ثم تتواصل بقية الرحلة مشيا لصعود جزء من الجبل حيث يوجد الرواق الفني شامخا فاتحا ذراعيه للمس والضيوف.

باب قديم بني اللون يتجاوز مائة عام من العمر لوحده اثر فني يستحق التأمل فالخربشة فوقه وآثار السنين كما الكتابة الهيروغلوفية تذكر بمن مر بالمكان، المزلاج الحديدي كبير الحجم يمثل قطعة اثرية وتراثية ايضا، مدخل سقفه خشبي، ثم باحة مربعة الشكل الى يسارك قاعة العروض وهي عبارة عن غرفتين اولى مستطلية الشكل والثانية مربعة لكل منهما «ضواية صغيرة» لإدخال اشعة الشمس الى الداخل، وزينة بسيطة تمثلت في نقوش امازيغية وشموع والوان تقليدية زادت المكان سحرا.

في الرواق غرفة خصصت لورشة النسيج فمريم المتحصلة على شهادة في النسيج تنهمك خلف «السداية» لصناعة المفروشات التقليدية الموشاة بأجمل الألوان والنقوش الامازيغية، منسوجاتها عبارة عن لوحات تحاكي الحقيقة وتحافظ على «صنعة» تتوارثها نسوة شنني، القاعة الصغيرة مزدانة بالوان تبعث في النفس الانشراح، الوان «الطعمة» (خيوط الصوف الملونة) الملونة في تناسقها مع صوت دقات «الخلالة» (الالة الحديدية ذات الرؤوس التي تستعمل في دق النسيج) و انين «الجداد» (الخيوط البيضاء اللون) التي يوضع بينها الصوف وصوت «الرطاب» (محم خشبي في شكل القلم به تكتب النقوش التي نراها على النسيج) تكتب ملحمة موسيقية اشبه بأشهر سينفونيات العالم.
هنا رواق للفن التشكيلي يفتح ابوابه لمحبي الفن التشكيلي يفتح ابوابه لعشاق القرى الجبلية للاستمتاع بتاريخها وسحرها جمالها، هنا فضاء يغري بالزيارة والتجوال في شنني الاميرة المتربعة فوق الجبل فرغم خلاء بعض مساكنها لا تزال تنبض حياة تماما كالصحراء التي يقول عنها ابراهيم الكوني «أعجوبة الصحراء أنها تجدب ، وتقفر من النبت ، وقد تموت أعواماً كثيرة ، ولكنها لا تميت أهلها أبدا».

الرسم ساحر كما الصحراء
عصامي التكوين، عشق اللون والريشة فانخرط في حركة الرسم دون تفكير، رسم وأبدع ليصبح من رموز الفن التشكيلي في جهة تطاوين اختار قريته شنني لتكون مكان ولادة اول رواق للفن التشكيلي في تلك الربوع.
في ناسامو-سامو يعرض سعد المهزرس بعض اعماله التشكيلية، لوحات تشترك مع الصحراء في الجمال والغموض، لوحاته تجمع الفن المعاصر والكلاسيكي فهو يرسم الجبل و قصور تطاوين بطريقة معاصرة ويدخل الالوان المتجددة على الالوان التقليدية وحركات الضوء لتكون اللوحة عالما خاصا به.

فهنا في ناسامو-سامو يصبح الفن ضد فكرة الفن نفسها، وتجاهد الصورة كي تنجو من جحيم فكرتها لتحقق فرادة وجود لا يتكرر ولا يمكن التنبؤ بأبعاده، إنه الرسم كفعل مستمر وليس كنتيجة، منطق العمل الفني لدى باسكيا ذلك الفنان الأمريكي الذي تأثر به شديد التأثر ابن قرية شنني الفنان سعد المهزرس .

هو ابن شنني ولكن قبل ذلك هو طفل ناسمو (لقب والدة الفنان وهو لقب يعود الى قبيلة بربرية من اشد القبائل ضراوة في محاربة الزحف الروماني) ، أنجبت سامو (احد شهر لوحات ميشال باسكيا التي تاثر بها سعد المهزرس) ذلك الإبداع الفني المتميز لجان ميشال باسكيا ، «كل هذا العنف الغريب العائش بنشاز منسجم في مساحة العمل الفني أصبح، بفعل الزمن وبلا قصد من صاحبه انتج جغرافيا بصرية يمكن أن نقرأ فيها المزاج الثقافي لحقبةٍ ومجتمع» كما كتب المسرحي عبد الله شبلي في وصف للرواق، شهادة فنية على مكان وزمان وبين حبه لوالدته وتمسكه باصل القرية البربرية وانفتاحه على اعمال الفنان الامريكي ولد حلم الفضاء وجمع بين اسمين هما كشرايين القلب عند سعد المهزرس العصامي الحالم دائما.
تختلف الالوان المستعملة، تمتزج المواضيع النابعة من عبق الصحراء وعمق الجبل، لكل لوحة حكاية، تفاصيل حركة الخط ووحدتها مع انعكاس الضوء تكتب ملحمة الفنان التشكيلية، اغلب لللوحات تحمل المتفرج الى عالمي الجبل والصحراء،الالون المستعملة في جل الاعمال تنبعث من البني لون التراب بكل تدرجاته كانها تعكس تشبت الرسام بقريته والوانها ومنها ينفتح على الفن العالمي.

لوحات كانها استحضار لما جاء في وصف الصحراء في كتاب «وزي وزي»في الصحراء عالمٌ مزدحمٌ من السحر والجمال، إنه جمالٌ هادئٌ يوحي بالسكينة والاطمئنان، ويُشعر المرءَ بأن للحياة وجوهاً عديدة من بينها وجه الصحراء الهادئ الذي يُخبئ في ثناياه قصصاً كثيرة يرويها عبر الزمن والحضارات المتعاقبة، فرمالها الناعمة تُضفي على هذا الجمال مزيداً من الهيبة والجاذبية، إنها شاماتٌ جميلة تزيّن جسد الصحراء، وناسامو-سامو شامة جميلة تزين خد شنني الساحرة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية