بعد 20 سنة من غياب تونس عن قائمة اليونسكو: عرائس نساء سجنان في التراث العالمي

كما ترث الأمهات عن الجدّات حزمة من الذكريات والوصايا... تتوارث نساء سجنان صنعة الفخار وعرائس

الطين لتتشكّل بين أصابعهن ملحمة وجود وتنساب بين أناملهن قصّة كفاح. تراب وماء وهواء ونار هي عناصر الطبيعة الأربعة التي تستعير منها نساء سجنان سرّ الحياة ووصفة الصنعة في خلق تلك التحف البسيطة والجميلة من الطّين المعجون بالماء والمغموس بحبّات العرق لتتلقّفها بنهم النار فتنضجها على مهل ويهبها الهواء نسائم الصمود والخلود.

في سجنان، تلك القرية الجبلية في جغرافيا ولاية بنزرت، النساء هن ربّات الخلق لعرائس من طين تجاوزت شهرتها حدود البلاد ومثلت مصدر إلهام لكبار المخرجين والفنانين...فلم يكن من الغريب أن يتم رسميا يوم 29 نوفمبر 2018 إدراج فخار سجنان في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لليونسكو.

فخّار سجنان كنز التراث اللاّمادي
لأنهنّ فنانات بالفطرة ومبدعات بالسّليقة نجحن في محاورة الطّين واستنطاق التراب ليتحوّل العدم بين أيديهن إلى تحف تنبض بالحياة. هنّ مهندسات الطبيعة ممّن برعن في التنقيب عن مادة الطين في رحم الأرض لتتحوّل بين أناملهن الخلاّقة إلى فن فطري وإبداع تلقائي فأرّخن لتاريخ الجهة ووّثقن لهوّية سجنان على الصعيد العالمي. فقد تمّ إدراج ملفّ عنصر المعارف والمهارات المرتبطة بفخار نساء سجنان في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لليونسكو وذلك بإشراف وزارة الشؤون الثقافية ومن خلال المعهد الوطني للتراث و لجنة التراث الثقافي غير المادّي و متابعة حريصة من المندوبية الدائمة لتونس لدى اليونسكو. ويعتبر عنصر فخار سجنان أوّل ملف تتقدّم به تونس ويسجل بعد مرور 20 سنة من غياب التسجيل لدى اليونسكو.

ليس فخار سجنان مجرد مهنة بسيطة لنساء هذه القرية الجبلية من أجل تحصيل لقمة العيش وحفظ ماء الوجه ... بل هو آية من آيات الإبداع التلقائي والغريزي في خلق الأشكال ومزج الألوان ومحاكاة الطبيعة... وقد مثلت عرائس الطين بسجنان أوّل ملف في التراث اللامادي يقع الاشتغال على ترشيحه في قائمة اليونسكو للتراث العالمي لما يحمله من خصائص تاريخية واجتماعية وفنية.

وقد وقع الاتفاق منذ فترة إدارة الفنانة سنيا مبارك لوزارة الشؤون الثقافية على العمل على تسجيل المعارف التقليدية المتعلّقة بعرائس الطّين ضمن قائمة التّراث العالمي لليونسكو.

فخار سجنان في العزلة والشتات
 إذا كان لنساء سجنان وفنانات الخزف وعرائس الطين أنامل من ذهب تحول الطين إلى فن فإن لهن كثيرا من المطالب المؤجلة والنداءات المعلقة لعل أهمها بعث مجمّع يجمع شتاتهن ليكون لهن عنوان معروف ومعلوم... وقد سبق أن قامت «المغرب» بزيارة إلى معرض حرفيات سجنان بقاعة الأخبار بالعاصمة فكان الحديث ذا شجون مع هؤلاء الفنانات بالسليقة، المبدعات بالفطرة... وفي صوت حزين وبنظرة منكسرة تحدثت الحرفية «رمضانة المشرقي» عن خيبتها من تهميش الصنعة التي ورثتها عن أجدادها ومارستها منذ سن العاشرة، قائلة:» في سجنان حوالي 60 حرفية تروّض الطين في كل يوم وفصل ليتحوّل إلى تحف وأواني... لكن كل واحدة تشتغل في عزلة بمنزلها الريفي في غياب مجمّع حرفي يجمع شملنا حتى يكون لنا عنوان واحد وواضح مما سيسهل علينا الترويج لبضاعتنا والتعريف بمنتوجاتنا...».

متى ترى القرية الحرفية في سجنان النّور؟
وردا على مطلب حرفيات سجنان وفنانات مدرسة الطبيعة في أن يكون لهن عنوان ومقر يلّم شتاتهن ويجمع شملهن، كان المندوب الجهوي للصناعات التقليدية ببنزرت عماد شقرون قد أكدّ في تصريح لـ «المغرب» أن بعث هذا المجمّع أو القرية الحرفية في قائمة اهتمامات الديوان وقد تمّ إعداد الدراسة الفنية للمشروع الذي سيشتمل من بين مكوّناته على متحف يؤرخ لفن صناعة الطين بسجنان ... مضيفا أن تنفيذ هذا المشروع رهين حيازة قطعة أرض وهو ما يسعى إليه الديوان للانطلاق فورا في إنجاز مجمّع حرفي لنساء سجنان.

في سنة 2016 تم الانطلاق الرسمي في عملية الجرد الوطني لعناصر التراث الثّقافي غير المادي باعتبار أن الجرد هو أحد أهم آليات المحافظة على هذه العناصر كما أنّه يمثّل المرحلة الأساسية التي ستخول للوزارة المضي قدما في عملية تسجيل مكونات هذا الموروث الحضاري ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو.
وإذا كانت في تونس، مظاهر كثيرة وتجليات عديدة للتراث الحي المتفرد من حرف يدوية وألعاب شعبية وموسيقى بدوية وأكلات ووصفات غذائية... فهي في حاجة إلى نفض الغبار عنها والتعريف بها على أوسع نطاق حتى تتحرّر من المحلية الضيقة وتعانق العالمية مما من شأنه أن يشجع السياحة ويدعم الثقافة ويوّثق لحضارة قرطاج على مرّ التاريخ والعصور.

نساء سجنان: الفن الكبير والأجر الزهيد
هي رحلة مشقّة وعناء تتكبّدها حرفيات سجنان انطلاقا من استخراج مادة الطين من باطن الأرض ثم تحويلها إلى تحف وعرائس وأشكال وإتمام زينتها وألوانها فإن نساء سجنان لا يحصلن من وراء هذه الحرفة سوى على مقابل متواضع ومبالغ زهيدة لا تضاهي أبدا رحلة الإجهاد والتعب في تحويل الطين إلى إبداع ناطق وجمال أخاذّ... فهل من منصف وهل من مستقبل لنساء سجنان؟

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا