العرض الأوّل لفيلم «ولدي» لمحمد بن عطية: الإرهاب همّ مؤرق... السعادة مفهوم متحوّل

كما أن السعادة عصيّة عن التعريف والتفسير وهي التي تتعدّد أسبابها وتختلف تقييماتها من فكر إلى فك

ومن شخص إلى شخص، فإنّ الإرهاب غير مشروط بقراءة واحدة أو بخلفية ثابتة وهو الذي يمكن أن يستقطب المتعلّم والأميّ، الفقير والغني... هكذا يضعنا فيلم «ولدي» للمخرج محمد بن عطية وجها لوجه مع مفهوم السعادة ومعضلة الإرهاب من زواية نظر خاصة به ومن وراء كاميرا تعكس أسلوبه في الفنّ والحياة...
بعد أن حصد فيلمه الطويل الأوّل «نحبك هادي» باقة من الجوائز العالمية، قدّم المخرج محمد بن عطية فيلمه الروائي الثاني «ولدي» في عرض عالمي أول في قسم «نصف شهر المخرجين» في مهرجان كان السينمائي 2018 وحصد مؤخرا جائزة أفضل ممثل في مهرجان الجونة السينمائي، كما توّج بالجائزة الكبرى للدورة 36 من مهرجان ثقافات المتوسط في مدينة باستيا جنوب فرنسا... ويشارك هذا الفيلم في المسابقة الرسمية لأيام قرطاج السينمائية من 3 إلى 10 نوفمبر 2018.

عندما تتحوّل العائلة من حضن إلى سجن!
«ولدي» بهذا العنوان العاطفي الدّال على مضمونه والمختزل لقضيّته، يدعونا المخرج محمد بن عطية في فيلمه الجديد إلى إتباعه في فسحة سينمائية بطلتها أسرة تبذل الغالي والنفيس في سبيل إسعاد ابنها الوحيد وتوفير حاجياته وضمان مستقبله... فهل تكفي العناية والحرص والاهتمام في لاحتواء «ولدي»؟
في دور رياض أبدع الفنان محمد ظريف في أداء دور الأب المثالي الذي يسخر وقته وماله وعاطفته للاهتمام بولده «سامي» دون شكوى أو تأفف سيّما وأن هذا الابن يعاني من نوبات صداع متكررة تزامنت مع استعداده لخوض امتحانات البكالوريا...في المقابل أدّت منى الماجري دور الأم وإن لم يكن بنفس تأثير الأب سواء في مجرى الأحداث أو حتى على مستوى وقع أدائها في نفوس الجماهير، فلم يحرّكنا كثيرا بكاؤها ولم تنفرط القلوب حزنا على هذه الأم التي ستعيش الفاجعة في نهاية الفيلم !
أما «سامي» بما هو عقدة الأحداث ومحور الفيلم وعنوان العمل، فكان ظهوره مقتصرا على مشاهد يظهر فيه إما صامتا بوجه حزين وملامح حائرة وإما متحدثا باقتضاب واختصار شديد في العبارات... ولعلّ الرعاية اللصيقة من طرف العائلة بابنها الوحيد والحرص على معرفة كل شاردة وواردة تخصه دفع سامي إلى التبرم من هذا الاهتمام المبالغ فيه إلى حدّ الحصار فكان الانفجار غير المتوّقع في حياة العائلة وفي مجرى أحداث الفيلم.
دون سابق إعداد أو إنذار، يختفي سامي بغتة دون أثر ولا إعلام، ليلقي بنا المخرج في قلب المفاجأة غير المتوقعة: فرار سامي للالتحاق بالتنظيمات الإرهابية في سوريا!

قضايا وهموم مجتمعية
في «ولدي» لم نعثر طوال مشاهد الفيلم ولو على إشارة واحدة تدّل على تعصّب أفراد الأسرة أو على علامات تظهر تشدّد سامي أو استقطابه من طرف جماعات متطرفة... وفجأة نجد أن هذا الشاب الذي يرتاد العلب الليلية يلتحق بالتنظيمات الإرهابية في سوريا! ربما كان هذا خيار المخرج في أن يجعلنا نتساءل ويترك لنا الاستنتاج والتأويل وملء الفراغات...
في قالب أسري وعلاقات محكومة بروابط دموية تدور أحداث الفيلم لتكون العائلة هي النواة الأساسية التي تتفرّع منها بقية القضايا والإشكاليات لعل من أهمها انهيار الطبقة الوسطى وانحسار عاطفة الحب والود بين الأزواج لتستحيل حياتهم إلى مجرد حقوق وواجبات مما يؤثر بشكل أو بآخر على التوازن النفسي والعاطفي للأبناء...
وتبقى السعادة بما هي مبتغاة ومشتهاة من الجميع هي القيمة الكبرى في فيلم «ولدي» فالابن لم يجد سعادته في حضن عائلته فارتحل بحثا عنها ولو جنى عليه ذلك الارتماء بين براثن الإرهاب وملاقاة مصير الموت، أما الأم فأضاعت مفاتيح استقرارها وسعادتها بخسارة ولدها الوحيد، في حين كانت رحلة الأب المرهقة والقاسية إلى سوريا في محاولة لاسترجاع ولده سامي فرصة للتساؤل حول البديهيات التي كان يظنها أسباب سعادته ومراجعة خياراته في الحياة....
كاميرا واقعية... بساطة

في الجمالية
في فيلم «ولدي» كانت كاميرا المخرج محمد بن عطيّة لصيقة بتفاصيل الحياة اليومية الروتينية والمعتادة وهي تقتفي آثار شخصياتها داخل المنزل وخارجه وتتناول معهم فطور الصباح وتجلس معهم على مائدة العشاء... ويبدو أن المخرج قد اختار عدم التأثير على المتفرج بتوظيف المؤثرات الصوتية وكذلك عدم إرهاق المشاهد بتكثيف زوايا التصوير بل التركيز على مشهد محوري مرّكز ومرّمز منه تتفرّع الأحداث و تتعدّد الجزئيات... ولكن هذا الأسلوب في التصوير لم يمنع الكاميرا من مجاراة الأحداث في نسق صعود ونزول، بطء و سرعة، ثبات وحركة...
ولعلّ من أهم مشاهد فيلم «ولدي» ومن أجمل تجليّات كاميرا المخرج محمد بن عطيّة تلك الصورة الأخيرة التي ينتهي بها الفيلم. إذ يرتحل بنا مشهد النهاية إلى مدينة المتلوي من ولاية قفصة حيث يجد الأب خلاصه من الحيرة والقلق والفراغ بالعودة من جديد إلى العمل ليكون مصدر سعادته المفقودة، فإذا بنا نرى الأب في صورة جديدة ومختلفة وقد ارتسمت على شفتيه ضحكة صادقة ولمع في عينيه بريق الارتياح... هي صورة معلّقة ما بين التشاؤم والتفاؤل، فرغم قسوة التجربة وخسارة فقدان الابن وانفراط عقد العائلة... نجح الأب في تفكيك علاقته بمن حوله وإعادة تركيب جزئيات حياته، فعثر على مقود قارب النجاة للإرساء على ضفاف السعادة كما يراها هو من زاويته الخاصة...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية