الكاف تفتتح الموسم الثقافي للمسرح الوطني: في «القادمون» تحذير من ثورة الفوضى...

في «القادمون» توجعنا صرخة المسرح في وجه السطحية والنفعية، وتحرجنا استغاثة الفنان من الظلم والاضطهاد

والنسيان في عصر اختلال الموازين وانحسار القيم الجمالية، وترّجنا الأسئلة الحارقة عن عدالة الثورة والإساءة إلى الإنسانية ... فإذا نحن كلنا مذنبون في آن وضحايا في آن آخر... لاحول لنا ولا قوة! بعد إن افتتح مركز الفنون الدرامية والركحية بالكاف مهرجان الحمامات الدولي في دورته الأخيرة وكان حاضرا في افتتاح مركز الفنون الدرامية والركحية بقبلي مؤخرا، جاء افتتاح الموسم الثقافي الجديد للمسرح الوطني بإمضاء هذا المركز الذي قدم مسرحية «القادمون» في قاعة الفن الرابع بالعاصمة .

القادمون» مسرحية مقتبسة عن ديوان الزنج لعز الدين المدني في إخراج لسامي النصري  ودراماتورجيا سامي النصري ورياض السمعلي وبمشاركة ركحية لكل من نور الدين الهمامي والمنجي الورفلي ولزهر فرحاني وسوار عبداوي وهيفاء الطويهري وسيف الدين الشارني ومحمد شوقي خوجة وناجي الشابي وضو خلف الله ومحمد السعيدي وزهير عروم ومحمد سليمة وشوقي سالم ...

المسرح حيّ ... المسرح لا يموت !
أمام ركح مظلم وخشبة موحشة وأصوات مذعورة وأجساد حائرة... تضعنا مسرحية «القادمون» وجها لوجه أمام الخواء والفناء والمجهول وهي تستشرف المستقبل، بعد ثلاث سنوات من الآن، في سنة 2021. هي مرحلة عنوانها الموت والدم والهلاك...ألقت بظلالها على كل الأوضاع ولم يسلم منها حتى الفن فإذا برائحة العفن تزكم أنف المسرح وإذا بيد العدم تصفع خدود الممثلين. فبعد أن رحل محمد بالشيخ القائد المؤسس لـ»فرقة «شمس» المسرحية ضاعت المفاتيح وأوصدت الأبواب وتاهت النجاحات...كانت وصيّة القائد الراحل التي تلتها ابنته «خضراء» بمثابة الخنجر الذي غرس في خاصرة أعضاء الفرقة وأسال دمهم وخطف شيئا من روحهم وهي التي أعلنت عن حلّ الفرقة وغلق المقر بعد خمسين عاما من العطاء وجنون الانتظار إذ ورد في الوصية:»أعطينا للمسرح كل شيء ولم يعطنا شيئا، المسرح اليوم تجارة ونحن قاومنا لسنوات طويلة بلا جدوى ولا معنى.... اتركوا المسرح ذكرى وصوتا بعيدا، أغلقوا أبوابه واختفوا أحرارا».

في «القادمون» يستميت أهل المسرح في الدفاع عن مسرحهم ومهنتهم وعشقهم الذي لا يموت رغم غياب الدعم واهتراء القوانين ويرفضون التسليم لإيمانهم الراسخ بقدرة المسرح على المقاومة والتغيير رغم الخطر والإفلاس والإرهاب... فإذ بصرخة الممثلين تهتز لها الأرجاء وتقشعر لها الأبدان وهم يرددون في تحد وإصرار: المسرح حيّ... المسرح لا يموت !

«ثورة الجنوب» وفوضى القضية
ما بين قضيّتين وقصتّين وجهتّين... تستحوذ «القادمون» على اهتمامنا في استقطاب «ثنائيات» قد تبدو حينا منسجمة وأحيانا أخرى متنافرة لكنها غير منفرة... فمن قضية «فرقة الشمس» المسرحية ودفاعها عن حقها في الوجود يزّج بنا المخرج سامي النصري في قلب أحداث الجنوب الساخنة حيث تدور معركة الانفصال. ومن الشمال إلى الجنوب نجد أنفسنا في تعقب لآثار فنان يغادر «فرقة الشمس» متخليا عن دوره كمثقف في طرح حل إنقاذ للمجتمع ليلتحق في لحظة اندفاع عاطفي بانتفاضة الجنوب المطالب بحقه في الثروة والتنمية... فإذا بنا نحن على ضفاف نص «ديوان الزنج» لعز الدين المدني الذي تطرّق فيه إلى ثورة الزنوج في جنوب البصرة في عهد الدولة العباسية. ولعل من نقاط التشابه بين ثورة الزنج وثورة الجنوب هو الانطلاق من قضية عادلة ترفض التهميش والاضطهاد الاجتماعي والاقتصادي إلا أن افتقادها لمشروع إصلاحي وفوضوية خطابها وسلاحها أفرغها من بعدها الإنساني والحقوقي... وفي مسرحية «القادمون» يواجه مثقفو وفنانو الجنوب إعلان طلب الانفصال بالرفض والانتقاد حتى لا تدوس أقدام الطامعين الجدد في السلطة مصالح الضعفاء والفقراء والأبرياء...

نص دسم وطرح جمالي مغاير
في «القادمون» نحن أمام نص شيق وجذاب كتب بعناية شديدة وركح قدّم أطروحات جمالية مختلفة... بعيدا عن الاستهتار والاستسهال لكنه في بعض الأحيان يزدحم بالكثافة في الخطاب والدسامة في الحوار إلى درجة الضجر والإرهاق ولعله ما تفطن إليه المخرج فإذا به يدرج من وقت إلى آخر مشاهد «الحارسين» في تجسيد لشخصيتين طريفتين في نوع من النقد الساخر والكوميديا السوداء للتنفيس على المشاهد وتخفيف قتامة بقية فصول المسرحية. وإن اختار المخرج سامي النصري أن يوظف «مسرح القناع» على ركحه، فلقد كانت أجساد الممثلين حمالة رسائل وشاحنة معان ودلالات وهي التي كانت في حركة نشيطة فوق الخشبة سقوطا ووقوفا ،ذهابا ومجيئا، غيابا وظهورا... فاستحقت التصفيق الحار من الجمهور لصدقها في الأداء وصدحها من الأعماق بقضية المسرح والإنسان.

ولعل رسالة «القادمون» التي تستعين بالتاريخ مرجعية وأرضية هي استخلاص العبرة من الماضي ومصير الثورات التي تنطلق من قضية عادلة لكنها سرعان ما تحيد عن مسارها وتتخلى عن مبادئها فتحلّ الكارثة ويعم الخراب ويموت الإنسان وتتيه بوصلة الدولة ... وما أشبه البارحة باليوم.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499