«من قرطاج إلى إشبيلية» في افتتاح مهرجان قرطاج الدولي: عزف مغاربي على ضفاف المتوسط

هنا قرطاج، درّة المتوسط وسيّدة الحضارات... وهذا مسرحها الأثري العريق شامخا بصموده

في وجه الأنواء والأعداء وشاهدا على تاريخ طويل من الأحداث والفصول، الهزائم والانتصارات، الأساطير والملاحم... فمن الصعب محو أثر الفنّ من المكان وطمس معالم الحياة على خشبة مسرح يضج بحكايات الأمس واليوم ويحتفظ بحبّات عرق كلّ من اعتلى ركحه من فنانين ومبدعين ليرّدد رجع الصدى أصواتا مرّت من هناك وسافرت كخيط دخان في المدى البعيد. مرّة أخرى، كانت أرض قرطاج عنوان اللقاء والحوار والتعايش حيث شيّد مهرجان قرطاج الدولي جسر عبور موسيقي «من قرطاج إلى إشبيلية».
مهما تباعدت الجغرافيا واختلفت العواصم، فإن الشعوب قد توّحدها راية الموسيقى وتجمعها سماء الفن... وفي تقاطع أغنيات ونوتات قد تموت الفوارق ويولد الإنسان! في هذا السياق جاء عرض افتتاح مهرجان قرطاج الدولي في دورته 54 مساء الجمعة 13 جويلية 2018 بعنوان «من قرطاج إلى إشبيلية» ليعزف على وتر المالوف المغاربي ويرقص على أنغام «الفلامنكو» الإسباني.

الموسيقى تعيد إلينا الأندلس
على الركح الكبير والمسرح العريق، تجلّت الفرقة الموسيقية لعرض «من قرطاج إلى إشبيلية» مكتملة الصفات والعدد ومتنوّعة الآلات الموسيقية لتمنح الجمهور للوهلة الأولى جرعة من الحنين إلى زمن التخت الشرقي وأيّام الفن الجميل. إشارة واحدة من المايسترو محمد لسود كانت كافية لاستهلال الحفل وانطلاق الفرقة في عزف مقدمة موسيقية جمعت أكثر من عنوان وأمسكت بين يديها بمفاتيح النفاذ إلى قلوب الحضور. في دغدغة للحواس وهدهدة للإحساس، كانت عصا المايسترو توّجه العازفين ما بين أنين وشجن، فرح وصخب... فعندما يبكي الكمان تدمع له القلوب وعندما يدندن العود ترقص الروح طربا وانتشاء !
هي رحلة من «قرطاج إلى إشبيلية» على متن أجنحة الموسيقى المسافرة في السماوات البعيدة، زادها عزف جميل ووتر عذب وكثير من الخيال والأحلام ما بين ارتسام في اللحظة الموسيقية الهاربة من قصص قرطاج المنسية وارتحال إلى «ليالي إشبيلية» في استعادة لمجد قرطبة الذي فقدناه على عتبات «قصر الحمراء» يوم ضاعت منا الأندلس !

تختلف الهويات وتتقارب الأغنيات
لا شيء مستحيل فوق أرض الخضراء وهي التي تبسط يدها في سخاء لكل من طرق بابها وزار أرضها لتبقى على مرّ العصور عنوان اللقاء والكبرياء. فليس من الغريب أن يتسع ركح مهرجان قرطاج الدولي لاحتضان الموروث الموسيقي لأكثر من دولة وأن تردد أرجاءه صدح الحناجر بالطرب والأغنيات وإن اختلفت الهويات.
في عرض «من قرطاج إلى إشبيلية» التقى زياد غرسة ودرصاف الحمداني من تونس وعباس الريغي من الجزائر وعبير العابد من المغرب وماريا مارينا من إسبانيا على مذهب الفن وشريعة الإبداع. ويأتي هذا العرض الذي يحمل إمضاء قائد الفرقة الوطنية للموسيقى محمد لسود تصورا وقيادة في سياق الإنتاج الخاص بمهرجان قرطاج الدولي في دورته 54.
استهلت المطربة درصاف الحمداني فقرة الوصلات الغنائية الفردية لفناني هذا العرض الجماعي لتشدو بحنجرة ذهبية في سماء الأغنية التونسية بموّشح «زارني الحبيب» قبل أن تسكت عن الغناء المباح إلى حين. وكما يرفل الفنان زياد غرسة على ركح قرطاج في جبّة الحرير تهادى اللحن المنبعث من أوتار عوده في رقي وخيلاء ليدعو الجمهور إلى لحظة من الصفاء على إيقاع أغنية «إذا جيّش الأحباب» وموشح «أيها الساقي»... قبل أن يعود بأغنية «حبك كم عيّارو» التي استجابت لها الأجساد تمايلا والأيادي تصفيقا.
وكما تهبّ النسائم الرقيقة في ليالي الصيف الحارة، كانت مفاجأة السهرة الإطلالة الراقية للفنان عباس الريغي الملّقب بـ»أمير المالوف» الجزائري الذي وهب صوته العذب وأداؤه الساحر للجمهور مساحات من النقاء والاسترخاء وكأننا به يحملنا في رحلة ممتعة على متن الخيال إلى «الجسور المعلّقة» في قسنطينة.
ومن الجزائر إلى المغرب، ارتحلت بنا الفنانة عبير العابد إلى أعماق التراث المغربي لتبّدد صمت المكان وتشنّف آذان الحضور بأغنيات ثقيلات المعنى وخفيفات المغنى على غرار «ليل عجيب» و»على وحيدة» و»يا بنت بلادي»...

«الفلامنكو»... رقصة الأنوثة الجامحة
في الرحلة «من قرطاج إلى إشبيلية» رست بنا السفينة على شاطئ إسبانيا لتستضيفنا الفنانة الإسبانية «ماريا مارينا» في وصلة من الموروث الغنائي الإسباني... وإن تعذّر فهم الكلام وهو بلسان إسباني يجهله الكثيرون فليس من العسير استخلاص المعنى من آهات الحنجرة وطبقات الصوت طالما أننا نعي جيدا أن «الفلامنكو» هو موسيقى الصمود في وجه الظلم والاستعباد وصرخة حياة وكرامة في وجه الإهانة.

شكلت فقرة الفنانة الإسبانية في عرض «من قرطاج إلى إشبيلية» لوحة فنية جذابة جمعت ما بين الموسيقى والغناء، والإضاءة والصوت والرقص. وقد استأثرت راقصة الفلامنكو بقدر كبير من التهليل واستحسان الجمهور وهي تضرب بقدميها على الأرض بقوة وثبات في ثورة على السكوت والخضوع وترسم بيديها حركات رشيقة في السماء معلنة الحرية دينها وديدنها...

«من قرطاج إلى إشبيلية» لم يكتف دكتور الموسيقى محمد لسود بمشروعه الفني في تأليف وتوزيع الموسيقى التصويرية للأعمال الدرامية بل سعى إلى تثمين الموروث الموسيقي حفاظا على خصوصيته الموسيقية والغنائية والتاريخية. وإن لم يخل العرض من شيء من الوهن على مستوى التناسق والانسجام ما بين فقرات العرض حتى بدا لنا في بعض الأوقات وكأنّ كل فنان «يغنّي على ليلاه» فإنّ ذلك لم يمنع من تشكيل توليفة جميلة من المالوف والموسيقى الأندلسية المتناثرة كحبات اللؤلؤ من قرطاج إلى اشبيلية.
وإن غنّت المطربة درصاف الحمداني «محلى ليالي اشبيلية» فلا شك أنه في ليالي مسرح قرطاج كثيرا ما يحلو السهر على عزف الوتر ويحلو السمر على ضوء القمر.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499