اختتام الملتقى الدولي "الحمامات: مدينة الأنوار واللقاءات المتوسطية للفن والثقافة الحية": لوحات متعددة الجماليات... وحوارت الفنّ عابرة للقارات

 بعد أيام من التعبّد في محراب الفنّ وشيئا من العمر في اجتراح لحظات من الإبداع...

كان لابد للملتقى الدولي "الحمامات: مدينة الأنوار واللقاءات المتوسطية للفن والثقافة الحية" من نهاية. لكنها أبدا لم تكن نهاية صامتة بل كانت صارخة بالمعنى والحياة في احتفال بولادة لوحات وتجلّي منحوتات... ومراودة أمنيات فنيّة قد تتحقق في ملتقيات قادمة للفن والثقافة وحوار الحضارات ...

 

تحت سماء الفن كان اللقاء المفتوح دون حدود أو قيود على اختلاف الجنسيات والأديان والألوان... وقد أتاح الملتقى الدولي "الحمامات: مدينة الأنوار واللقاءات المتوسطية للفن والثقافة الحية" الانفتاح على أفق الجمال والخيال وهدهدة الأحلام والألوان الهاربة من اللوحات وإليها ...

إبداعات من وحي تونس
لم يكن بحر تونس ولا دفء شمسها ولا نور قمرها... ليمرّوا مرور الكرام بوجدان الفنانين المنتشرين في مراسمهم المفتوحة على هذا المنظر الساحر، فكان لابد أن يأخذ شيئا من ألوانهم و لوحاتهم وإبداعاتهم... وهو ما أكده جلّ الفنانين المشاركين في الملتقى الدولي "الحمامات: مدينة الأنوار واللقاءات المتوسطية للفن والثقافة الحية" الذي كان تنظيمه ببادرة من "جمعية الحضارات دروب متقاطعة" بباريس التي ترأسها الإعلامية وداد عثماني بالاشتراك مع كل من "جمعية تأمل وانسجام بتونس" برئاسة أحمد أمين التركي وجمعية "دون صوت" بسترازبورغ التي ترأسها الفرنسية صوفي روزنزفايغ. كما أشرف على إدارة هذا الملتقى الفنان العالمي المقيم بباريس التونسي أحمد الحجري بحدائق فضاءات نزل "صدر بعل" بياسمين الحمامات من 15 إلى 30 أفريل 2018.

لوحات من الحياة وعنها...
في اختتام الملتقى الدولي "الحمامات: مدينة الأنوار واللقاءات المتوسطية للفن والثقافة الحية" كانت اللوحات المعلقة بقاعة العرض تستفز الزوار إلى ولوج عالمها وفك مفاتيحها والانغماس في أبعادها... وهي التي عكست على تنوّعها مرجعيات جمالية مختلفة وتجارب أجيال متعددة ودروب متقاطعة أحيانا ومتباعدة أحيانا أخرى... وفي هذا السياق يصرّح الفنان التونسي المقيم بفرنسا وسام بن حسين أن قيمة هذا الملتقى وأهميته تكمن في إتاحة فرصة اللقاء والحوار مع فنانين من مختلف البلدان والمدارس لتبادل الأفكار والتقنيات والمرجعيات... وقد اختار هذا الفنان المرأة موضوعا للوحاته وعنوانا لإبداعاته... وهي التي تتخذّ عنده مرتبة رمز الخصب والاستمرار ومنزلة آلهة الحياة.
وعن سوريا وأوجاع الشعب النازف الجرح بسبب حرب ملعونة تطحن رحاها الأطفال والأبرياء... كانت لوحات الفنان السوري المغترب ماهر البارودي عبارة عن وجوه مزدوجة وأقنعة زائفة... وحمائم سلام لا نعلم هل هي متخبّطة في برك من الدماء أوتائهة تنشد السلام في أرض لا تهدأ ولا تنام بعد أن شوّه الموت بياض ياسمين دمشق.

موقع المكان في آثار الفنان
أمام عالم نحتار في تحديده هل هو عجائبي أم طفولي أو خرافي... نقف مشدودين إلى لوحات الفنان التونسي المقيم في كندا حليم قارة بيبان. وكأننا بهذا الفنان يقترح علينا السباحة في لوحة من الكائنات المتخيلة تهدهدها أحلام اليقظة وخرافات الجدّات... وعن الفرق بين ممارسة فنه في مرسمه الخاص والحميمي والمشاركة في هذا الملتقى المفتوح يتحدث هذا المبدع إلى "المغرب" فيقول: "بعد أن كنت اشتغل على اللوحة لأشهر طويلة وأحيانا لسنوات لأطبخ الفكرة على مهل... وجدت نفسي في هذا الملتقى مجبرا على إنهاء لوحتين في أسبوعين ... فكان الأمر أشبه بالمغامرة. وإن كنت أرغب كثيرا في معارضي الخاصة في الاستماع إلى رأي الزوّار، فالأكيد أن التفاعل مع بعضنا البعض في هذا اللقاء المفتوح كان بناء ومحرضا على التفاعل والتحاور بين الفنانين وهو بصدد الاشتغال على لوحاتهم..."
وعن تأثير المكان في تحديد خياراته الفنية، يضيف الفنان حليم قارة بيبان بالقول: " كان تنظيم هذا الملتقى بنزل صدر بعل بالحمامات مصدر إضافة وإبداع بالنسبة لي. ففي زوايا هذا النزل وممراته يتوّزع تراث مهمّ من الفن التشكيلي. وقد سرّني كثيرا وجود أهم أعمال نجيب بلخوجة الذي اعتبره بمثابة الأب الروحي فكان لابد أن تحمل أعمالي التي أنتجتها في هذا الملتقى شيئا من التكريم لنجيب بلخوجة."
وفي تقييمه لحركة الفنون التشكيلية في تونس يعلق الفنان المقيم في كندا حليم قارة بيبان بالقول: " صلتي وثيقة بالفن التشكيلي في تونس. وإن كان جسدي هناك فإن روحي هنا... ومنذ 10 سنوات وأنا أشتغل على ضرورة إحداث متحف للفن الحديث والمعاصر. ولازلت مستمرا في مطلبي حتى لا يكون لنا متحفا حقيقيا للفن شكلا ومضمونا وحتى يشهد قطاع الفنون التشكيلية ثورة الإصلاح المرجوة.
نحت في رخام ناطق
شيئا فشيئا تحوّل الرخام الأخرس إلى تحفة فنية ناطقة بالمعنى والحياة. وقد اشتغلت النحاتة الايطالية أنتونيلا تيازو على صخرتها وسط فضول العيون لاكتشاف ماذا عساها تريد أن تقول وهي التي تنحت شيئا فشيئا صورة فم نصف مفتوح قد يكون بوحا من أعماق النفس أو نفخة ريح من الروح... وتؤكد هذه الفنانة أنه كان من الممتع أن تبدع عملها في تماس مع الآخر وفي فضاء مفتوح خصوصا وهي تستمع إلى تأويلات مختلفة وتفسيرات متعددة لمعنى المنحوتة وهي تكتم سرها في قلبها...
وقد حازت أعمال الفرنسي برنار كلاريس على نصيب منقطع النظير من الإعجاب والانبهار وهو الذي اشتغل على تقنيات متداخلة وأبعاد متباينة في لوحاته لتكون محل تقدير وثناء من الفنانين وضيوف الملتقى الدولي "الحمامات: مدينة الأنوار واللقاءات المتوسطية للفن والثقافة الحية."
وقبل الرحيل والعودة إلى أوطانهم، كانت زيارة ضيوف الملتقى الأخيرة إلى مدينة سيدي بوسعيد وموقع قرطاج الأثري ليعودوا وفي ذهنهم ذالك الحوار التاريخي بين ضفاف المتوسط بفضل سيدة خرافية الأسطورة تدعى عليسة.

الدكتور الحبيب القزدغلي:
التراث ضروري لفهم حاضرنا

لم يقتصر ملتقى "الحمامات: مدينة الأنوار واللقاءات المتوسطية للفن والثقافة الحية" على احتضان عدد من الورشات الفنية وتجليات مختلف الفنون بل كان منصة لتنظيم مائدة مستديرة بعنوان "استراتيجيات التناول الإعلامي لقضايا التراث" بمشاركة أستاذ التاريخ المعاصر حبيب القزدغلي و الصحفية بقناة آرتي صوفي روزنسفايغ والإعلامية التونسية ومخرجة الوثائقيات مبروكة خذير. ويأتي تنظيم هذه الندوة في سياق الاحتفال بشهر التراث.
وفي تصريح لـ المغرب" أكد الدكتور حبيب القزدغلي أن استحضار التراث يبقى مهما في الحاضر لأنه عنوان الذاكرة والهوية. ومن هنا يأتي دور الإعلام كوسيط بين المختص في التراث والجمهور. كما شدد على ضرورة أن يتحمل رجل التاريخ ومختص الآثار مسؤوليته كاملة في خدمة محيطه والانفتاح على بيئته مستدلا في هذا السياق بمثال جامعة منوبة التي يحيط بها 16 قصرا تاريخيا لكن دورها ظل هزيلا في التعريف بها والحفاظ عليها بالرغم من مرور 40 سنة على وجودها بالمكان.

في سهرة منير الطرودي
سفر مع الموسيقى الصوفية

في ملتقى "الحمامات: مدينة الأنوار واللقاءات المتوسطية للفن والثقافة الحية" كان لقاء الفنون من رسم ونحت ومسرح وموسيقى... وقد أهذى هذا الملتقى ضيوفه سهرة رائقة من الموسيقى الممتعة بإمضاء الفنان منير الطرودي وعازفة البيانو سندة العتري. وقد صدح صوت الطرودي بصفاء في سماء الفن مدغدغا الآذان للاستمتاع بنوتة من نكهة خاصة والانعتاق مع معزوفة خاصة به وحده ... فكان السفر على أجنحة الطرب مع أغاني الشيخ إمام، وكانت النشوة حد التخمر مع أغنيته الشهيرة والمحبوبة "راكب على الحمرة" .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية