نحو انتقال بيئي للحوض المنجمي ...

تتصدر ولاية قفصة المراتب الأولى من ناحية التلوث البيئي جراء الانبعاثات التي تسبب فيها المجمع الكيميائي التونسي وشركة فسفاط قفصة والتي طالت الهواء والتربة والمائدة المائية

تحدّث المعهد الوطني للرّصد الجوّي في تقريره عن مظاهر تراجع نسبة انبعاث الغازات الملوّثة خلال بداية سنة 2020 بالمقارنة مع نفس الفترة من سنة 2019. فعلى سبيل المثال، تراجعت نسبة انبعاثات غاز أوّل أكسيد الكربون المتأتّي من محرّكات السيّارات والمواقد والمولّدات الّتي تعمل بالغاز من 210 ميكروغرام في المتر المكعّب في مارس 2019 إلى أقلّ من 150 ميكروغرام في مارس 2020. كما تراجعت نسبة ثاني أكسيد الكبريت الّذي ينتج عن حرق المشتقّات النفطيّة بشكل ملحوظ بين 2019 و2020، حيث بلغ، وفق تقرير نشرتخ(نواة) في شهر مارس 2019 أكثر من 8 ميكروغرام في المتر المكعّب، في حين لم يتجاوز 2 ميكروغرام في المتر المكعّب خلال مارس 2020. ولكنّ نسبة الانبعاثات تختلف من منطقة إلى أخرى.

فعلى سبيل المثال تضاعفت نسبة انبعاث الكبريت المتأتّي من حرق المشتقّات النفطيّة في جهة البرمة من ولاية تطاوين الّتي يوجد بها حقل إنتاج نفط من 2.3 ميكروغرام في الكيلومتر المكعب في أفريل 2019 إلى 4 ميكروغرام في الكيلومتر المكعب في أفريل 2020، وهو ما يعني تواصل الإنتاج حتى في فترة الحجر الصحّي الإجباري. أمّا بالنسبة إلى منطقة قابس الّتي يوجد بها المجمع الكيميائي فقد ظلت نسبة الانبعاثات مرتفعة، بل وزادت عن معدّلات نفس الفترة من سنة 2019، حيث يذكر تقرير المعهد الوطني للرصد الجوّي أنّ نسبة النيتروجين المتأتّي من صناعة الفولاذ ارتفعت بشكل طفيف من 4.5 ميكروغرام إلى أكثر من 5 ميكروغرام في المتر المكعب بين أفريل 2019 وأفريل 2020.

أمّا بالنسبة إلى قفصة، فقد تراجعت الانبعاثات بشكل ملحوظ، حيث انخفضت نسبة النيتروجين من 7.8 ميكروغرام إلى مادون 4 ميكروغرام ما بين 2019 و2020، كما تراجعت نسبة الكبريت ما دون 6 ميكروغرام في شهر أفريل 2020، في حين كانت تفوق 15 ميكروغرام خلال نفس الفترة من سنة 2019.
وأمام حجم التلوّث البيئي اللاّفت والرهانات الاقتصاديّة المطروحة أمام الحكومة، فإن الطبقة السياسيّة في تونس مطالبة بأن تكون في حجم التحدّيات الإيكولوجية المطروحة عليها. وأن تأخذ بعين الاعتبار أن المسألة البيئية ليست مجرد نشاط هامشي مكمّل للعمل الحزبي وإنما تتنزّل في صلب العمل السياسي كأحد روافد التنمية.

المظيلة من أكثر المناطق تلوثا لتدهور الوضع البيئي وتلوث الهواء في هذه المنطقة جراء تركيز وحدة المجمع الكيميائي التونسي منذ سنة 1985 زيادة على المغاسل التابعة لشركة الفسفاط.

هذا ما بينه المنجي العمراني قبل ثماني سنوات، إذ ، أنه يمكن للمتجول في شوارع وأنهج معتمدية المظيلة أن يلاحظ مخلفات هذا التلوث البيئي على وجوه متساكني الجهة الناتج أساسا عن تلوث الهواء الذي يتنفسه السكان كبارا وصغارا.وتشير بعض الدراسات التي تمت في هذا الغرض الى أن الافرازات الغازية التي تطلقها مداخن مصنع المظيلة في الهواء من غاز الفليور هو 20مغ/م3 أي ضعف الكمية المسموح بها حسب المواصفات التونسية والفرنسية المقدرة ب10مغ/م3.

ومن هنا يمكن تخيل حجم الأضرار البيئية التي لحقت بالمنطقة منذ انشاء المصنع سنة 1985. كما أن كمية ثاني أكسيد الكبريت التي تطلقها مداخن المصنع في الهواء هي بين 12 و15كغ/طن من الحامض الكبريتي وهي حوالي 6 أضعاف الكمية المسموح بها التي تقدر ب 2.6 كغ/طن من الحامض الكبريتي وهوما يطرح تساؤلات عديدة حول التأثيرات السلبية التي لحقت بالبيئة في معتمدية المظيلة والمناطق المجاورة لها طيلة 27 سنة.

وزيادة على هذه الافرازات فان هناك فواضل صلبة كمادة الفوسفوجيبس الملقاة في الطبيعة دون عازل لحماية المائدة المائية. أما بالنسبة الى مغاسل شركة الفسفاط فهي تستعمل مكونات كيميائية مختلفة ومضرة بصحة الانسان خلال عمليات استخراج وتحويل الفسفاط كمادة ال «تي ان تي» للمتفجرات وفواضل غسل الفسفاط بالأحواض الطينية والتي تمر بدورها للمائدة المائية.

ومن مخاطر التلوث الصناعي على الصحة نلاحظ ارتفاع عدد المصابين بضيق التنفس وحساسية العين والجلد وهشاشة العظام حيث قال لنا السيد عادل جدلاوي أنه يعاني من مرض هشاشة العظام وقد أكتشفت حالته بعد تعرضه الى كسر في يده ولم يشف الى حد الآن ومن اثار هذا التلوث الصناعي انتشار الأمراض السرطانية بالمنطقة.

كما يلاحظ المنجي العمراني في نفس النص، تأثير التلوث على النباتات والحيوانات حيث أن عدة أنواع من الأشجار انقرض أما الحيوانات والطيور فالكثير منها غادر المنطقة وهاجر الى مواقع أكثر نقاء وصفاء. وقد حاولت الشروق الاتصال بالجهات المختصة للحصول على بيانات وأرقام توضح عدد الإصابات بهذه الأمراض التي تفشت في الجهة بشكل كبير وملحوظ ولكن لم تتمكن من ذلك...؟

لذلك ليس مصادفة أن تتفاعل مؤسسة وطنية هي CTF ومديرها سامي الشامخ وجمعيات جهوية بينها جمعيتا التوعية والبيئة وباب الريان للتنمية والأعمال الاجتماعية برئاسة حسين رزيق وصالح بوترعة، وائتلاف جمعياتي بقفصة مع الخبير نور الدين نصر لإقامة منتدى حواري حول مشاكل البيئة وآفاق الانتقال البيئي والتنموي بالحوض المنجمي بالجهة يشترك فيه عدد من ممثلي المؤسسات والجمعيات وخبراء وشباب بغاية طرح مسائل النهوض بالوضع البيئي بالحوض المنجمي واستشراف ملامح خطط بديلة ومستقبل تنموي أفضل للجهة.

ذلك أن قفصة ما تزال تعاني ترسبات السياسات التنموية السابقة واستغلال غير محكم للثروات، كما تهدد مخاطر التلوث صحة سكان مدن الحوض المنجمي بولاية قفصة الذين يعيشون حياتهم من دون هواء نقي ووضع بيئي سليم، والتي اختلطت بمخلفات المناطق الصناعية المتاخمة لمناطقهم.
ويدفع الأهالي ثمنا باهظا بسبب عمليات استخراج وتحويل الفوسفات في مدن الحوض المنجمي بقفصة لتسببها بمشاكل صحية وبيئية باتت في حاجة إلى حلول عاجلة للحد من تأثيرها السلبي على البلاد والعباد، كما يقول البعض.
ودفع الوضع الصحي والبيئي الخطير العديدين إلى القيام بعمل جماعي لتبليغ أصوات الناس المتأثرين بالتلوث إلى السلطات، لضرورة إيجاد حلول من بينها فصل المدينة السكنية في المظيلة عن المنطقة الصناعية.
وبات النسق المتصاعد لانتشار الأمراض والمشاكل البيئية في مدن الحقل النجمي يحتم -حسب السكان المتضررين- مراعاة العنصر الإنساني والبيئي في المخططات المستقبلية للمشاريع الصناعية بهذه المناطق.

كل ذلك يحتم حوارا مجتمعيا وشراكة بين مختلف لفاعلين وتغييرا جذريا في منوال التنمية وطريقة التخطيط والاستغلال واعتماد منهج مختلف سيعكف على بلورته المشاركون في المنتدى المزمع تنظيمه يوم 25 ديسمبر 2021 بحضور خبراء بينهم طاهر خواجة وطيب رمضان ونور الدين نصر وغيرهم في سبيل مزيد توضيح المتجهات الملائمة للقطع مع الممارسات والسياسات المدمرة للإرث الايكولوجي والمستنزفة لمختلف الموارد مع تخريب للصحة العامة وتشويه لجمالية المحيط.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا