دعائم وأصول..التحول البيئي المأمول ..

كل ما يتحرك الناس من أجله أو لتغييره يبدأ أولا في النفوس وفي العقول.. إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم..

وعلى هذا الأساس الثابت في محركات الواقع المجتمعي وسنن التاريخ لا أفق لأية سياسة لا يستبطنها الناس ولا أفق لمشروع لا يحمل مقبولية اجتماعية ولا مستقبل لأحلام ساسة موهومين يغردون خارج نبض الجماعة ووعي الجماهير.
ولذلك آمن كثير من القادة والزعماء في العالم بأهمية التواصل مع الناس والاتصال الاجتماعي والعمل على الإقناع ترسيخ الإيمان بجدوى التمشي ونجاعة الخيار وفوائد الانخراط في السياسات المقترحة.

تحضرني هذه البديهيات مجددا بمناسبة طرح خطة هامة لترسيخ قواعد تصرف مستدامة في النفايات على مستوى البلديات عبر ورشات تشاركية بادرت بها مصالح الشؤون المحلية وضمت ثماني حلقات تفكير وتشخيص وتشاور وتخطيط بمساهمة كافة المعنيين والمتدخلين ومن بينهم البلديات والجمعيات.
وقد ضمنت المقاربة تحليلا موضوعيا للمشاكل ورصدت جوانب من التجارب المنجزة ومحاولة فهم العوامل المتداخلة في الظاهرة الاجتماعية البيئية وسلوك المواطنين تجاه النفايات تمهيدا لبناء سيناريوهات وتصورات ناجحة ومتزنة قابلة للديمومة.

فمع التشاور الأفقي والتعامل مع الإصلاح والبناء والتغيير كسيرورة اعتمدت المقاربة التي انجزتها مكاتب الدراسات التي تنطلق من الواقع بما هو معقد متشعب متعدد العوامل والمؤثرات بما فيها النفسي والثقافي والتقني والمؤسساتي والمادي. وهو نتاج لمحاكمة المراحل وجهود التدخلات تراعي الطابع المركب للظاهرة وتأخذ في الاعتبار التجارب المنجزة وسياقاتها.
وهي من المناسبات الجديدة الهامة التي تطرح فيها قضية بيئية بمنهج سوسيولوجي بعيد عن التعجل والإسقاط ويتبين على ملامسة كافة مولدات السلوك الفردي والجماعي ومؤشرات علاقات الأطراف وأسباب نجاح المشروع البيئي أو الخطة المثلى في هذه الحال لتصرف بلدي مستدام منظمة في النفايات المنزلية والمشابهة.
وقد سبق الإقرار بضرورة اعتماد الطابع التشاركي للمعنيين بمشاريع كبرى سابقة كان وراءها مانحون دوليون على غرار التصرف في عدد من المحميات الطبيعية حيث تم إقرار إدماج المتساكنين وتشريكهم في الحماية بعم ظروفهم الاقتصادية والاجتماعية.
وكانت بعض المنظمات الدولية على غرار الصندوق العالمي الطبيعة خلال الثورة ثمنت جهود المتساكنين حول المحميات التي تم بعثها بالتنسيق معهم كانوا اول من تصدى لمحاولات الاعتداء عليها وكانوا الحصن المتقدم لصونها والدفاع عنها.

ومن ثم يمكن فهم أسباب تعازي عديد البرامج والمشاريع والسياسات الناظرة من فوق على غرار الحملات الظرفية والبرامج السطحية والاستعراضية التي لم تعمر طويلا لأنها لم تجد لها مكانا في نفوس المتساكنين وبعضها تقرر رغما عنهم وعلى حسابهم.

في زمن سيادة الشعب وتنزيل مفاهيم المقاربة التشاركية والحكومة المحلية لا أفق لمحاولات أفراد لفرض مصالحهم الضيقة وإراداتهم الشخصية وقناعاتهم البسيطة المحدودة والسعي لفرضها على الناس.. لم تنجح الاشتراكية والتعاضد برغم تدخل الدولة بقوة لفرضها غصبا على التونسيين ولفظ الناس مشاريع بنيت على عجل لأنهم لم يقبلوها يوما ولم يستشاروا في تركيزها وانتفضوا عليها كحمم البركان مع اول فرصة للتحرك والتعبير الحر.

في منهج التحرك والتدخل والتغيير البيئي يتوجب التفكير أساسا في مضمون المشروع وقيمته المضافة من منظور المتساكنين موازاة مع التقدير الموضوعي للأثر البيئي والتنموي..
المعلومة جزء أساسي من المواطنة والتشاور والتشريك والحوكمة وهما من مقومات فلسفة دستور الثورة.

وكل طرف أو مسؤول يفكر بنزوة شخصية أو نزعة زعامة تتجاهل المصلحة والإرادة الجماعية وتتجه لإسقاط خطة أو فرض فكرة أو تنزيل سياسة قطاعية دونما برمجة مراحل خاصة للتشاور والتبادل وعرض المقترحات واستكشاف ردود فعل وتوصيات المجموعات السكانية المعنية وانتظاراتها وشواغلها.
ولعل موسم الأمطار وما يرافقه عندنا من انعكاسات مأسوية على الأحياء والمدن يفرض على المسؤولين على كافة المستويات التوجه للمجموعات السكانية والمبادرة لفتح ملفات المشكل وحال البنية التحتية وخطط تصريف مياه الأمطار بصراحة وشفافية لاتخاذ الخطوات المناسبة ووضع كل المعنيين أمام مسؤولياتهم ومن ثم إقرار خطط مشتركة للتوقي وإعادة التهيئة وتعديل الخطط في اتجاه التقليص من الإشكالات وأسباب المعاناة والمتابعة المتكررة..

البعد الاجتماعي مقوم أساسي للتنمية المستدامة وهو من أركان المخطط السياسي مضمون الديمومة.

الأمل في سد الثغرة القائمة وإكرام اليتيم المستضعف.. ثم توفير أسباب تقوية انخراط الناس في المقاربة السياسية والتنموية المقترحة لتحسين ظروفهم والنهوض بوضعهم البيئي والمعيشي.
فلا آمال في تجاوز الإشكالات السابقة وبناء مشروع بيئي جديد دونما إشراك والتزام جمعي على أساس وعي وقناعة وإلا فمآل القرارات قصير لا يتجاوز عمر العهدة فشل ونفق ومضيق مسدود.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا