إضاءة: البيئة قبل الخبز أحيانا

لم تتراجع فورة العمل البيئي أحيانا وكثيرا ما تكتسي بعض المبادرات طابع الحملة الظرفية التي سرعان ما يخفت بريقها وينقضي عنفوانها؟

لماذا نرى في كل الطرقات سواقا غير مواطنين يلقون بأعقاب السجائر وعلب المشروبات وقراطيس السندويتشات وعلب السجائر من شبابيك عرباتهم الفارهة؟
لماذا احتجب لبيب، ولم يدع لمهام أخرى ولم ترسكل صورته الأنيقة اللافتة بعد خماسية كاملة عن الثورة؟

إلى متى سيطول انتظار موعد نرى فيه كل تونسي يبادر بتنظيف الساحة العامة، ومخاصمة من يفسد مشهد البيئة المشترك كما يحنق لمن يسبب له إزعاجا مباشرا في بيته وأهله؟
متى يتيقن العالم، والسائح أننا حقا أهل لحضارة عريقة وقوم نباهي بثورة الياسمين؟

أسئلة عديدة تقرع الأبواب، دونما إجابات شافية,
فمع مئات البنايات الفوضوية على الملك العمومي البحري والغابي، ينفي كثيرون جازمين أن يكون في الفضاء المحلي ما يؤكد وجود وعي بسلوك بيئي يحمد لأجله الناس وتستحق المجموعة لقب انتماء لتونس الخضراء.

ومع استمرار اتساع البون الشاسع بين النصوص القانونية البيئية الرائدة، والممارسات اليومية التي يلحظها عابر السبيل بأم عينه المجردة يعلن كثيرون أننا ننافق أنفسنا إن ادعينا أننا في غنى عن حركات لبيب، المنفي دونما حكم قضائي، ودروسه التوعوية الطريفة
ويجد بعض النقاد المتحمسين في غياب تحركات منتظمة للرسميين تجاه البيئة بما يوازي ما يجري في المسائل الحقوقية والاجتماعية والاقتصادية وحتى السياسية الخارجية، وعدم بروز أصوات بيئية عالية من الدوائر الفاعلة المؤثرة بل الصانعة للقرار.

القضية في عيون الكثيرين لا تقتضي نسخا لمفاهيم ومصطلحات دخيلة، وإن انتسبت لبلاد متقدمة تنمويا وبيئيا بقدر ما تستدعي البيئة أولوية مطلقة، أو إنها ترف يمكن الالتفات له بعد الفروغ من التحديات الأمنية والاجتماعية والحارقة؟
حاول أحدهم طرح السؤال على شخص مناسب في دوائر المستشارين رفيعي المستوى بين القصبة وقرطاج، ظل في الانتظار إلى أن تحرك قطار المجتمع المدني في الأثناء ليصنع التجربة الواعدة ويؤكد أن في جسم المجتمع قلب يخفق.

ويؤكد الناشطون البيئيون والجمعيات بمبادراتها ومشاريعها المتراوحة من حملات النظافة ومنع استمرار التلوث لإنشاء المسالك الإيكولوجية، أنها المعلم المؤهل لإلقاء الدرس وتطبيقه مع سائر الدارسين، فالوقت يسمح بالتعلم والتدرب على فقه النظافة وتمثل أبجديات صون مصادر الحياة وإعادة الروح للممارسات والعادات اليومية المحافظة على المحيط

فخلال شهر التراث، أعلنت جمعيات منها جمعية البيئة والآثار بالمحمدية ، أن الموروث غني بالعادات الاستهلاكية والزراعية والكسائية والممارسات الصديقة للبيئة، وأن الحل الإيكولوجي كامن فينا، ومنبعث من هويتنا وهو في داخلنا ليدرك بعض من الفاعلين في النخب ودوائر مغلقة أن الحل يبدأ من عقول أحكمت إقفال بعض الأبواب على مسلماتها المنقولة دون تصرف، وآن لها أن تراجعها في ضوء ثقافتنا المحلية وموروثنا الأصيل.

فدرجة الجدية والصرامة في التزام النظافة في مناطق مثل حمام سوسة وبلدات في الجنوب، والاقتصاد في الماء في جربة وتطاوين، واستسماد النفايات العضوية بقفصة، واعتماد تقنيات الصيد التقليدي بقرقنة، وصون الحدائق والمحميات بواسطة متساكنيها ضمن مشاريع حرفية وسياحة إيكولوجية لفائدتهم، كلها أمثلة عن مقاربات متأصلة ومندمجة ، وشواهد حية على ممارسات أصيلة تحمل أصول نجاحها في بيئتها ولا يستحق الممولون والباعثون كبير جهد لإقناع المجموعات السكانية بالانخراط فيها وإنجاحها.

فالالتزام الجماعي المواطني المسؤول ، مرتهن لإدراك فعلي لضرورة المشاركة، وإمكانياتها، والتجارب المحلية المتوارثة، إثبات دامغ لقابلية النجاح في الانتقال البيئي بالاعتماد على صيغ وإمكانات تختزنها التربة المحلية ومعارف الأجيال وموروث المجتمع التونسي
آن لبعض النخب المتحمسة والصادقة في اقتراح مقاربات بديلة ضمن قوالب مستجلبة ضمن براديغمات وافدة، أن يراعوا خواص السياق المحلي وأهمية الرهانات التي يحملها الفاعل الرئيسي المرشح لضمان نجاح المشروع البيئي

فرغم نجاحات التيارات البيئية الغربية، ومكتسبات المتبنين لخيارات الاقتصاد الأخضر والاستدامة عبر تجارب نجحت في مدن الغرب، يظل الحل البيئي أبعد من أن يكون رؤية مستوردة وفكرة دخيلة يكمن فينا والحل ينطلق منا.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا