إضاءة: أصول الحوكمة البيئية وبواكير الثمرات

تعرف منظومة التسيير وإدارة الشأن العام حركية إعادة تشكيل في اتجاه إعادة البناء ومراكمة السياسات المعتمدة وفق منهج بدأت تتضح معالمه بعد ثورة 14 جانفي..

مؤدى التغيير ومنعرج المقاربات..
يحقق تقسيم السلطة وتوزيع نسب القرار بين المحكومين بعض من مكتسبات مسار اللامركزية وبناء السلطة المحلية والجهوية، الذي يعرف تطورا واضحا منذ سنتين بعد إقرار مجلة الجماعات المحلية وتشكيل بلديات منتخبة وتنامي دعمها فنيا وماديا في سياق تصور جديد لمنظومة الحكم المحلي.
فالمؤسسة البلدية باتت فعليا حجر الزاوية ومنطلقا لدينامكية تنمية وحوكمة محلية، فالمسار يتقدم- وهو غير قابل للرجعة- كما بين الوزير المكلف بالمجال البيئي والشؤون المحلية مختار الهمامي أب الحوكمة المحلية واللامركزية ، وأبرز فاعل ومشرف على تطوير معالم وولادة النهج وتأطيره التشريعي والترتيبي والفني وحتى المادي.
وما من شك أن مضامين مجلة الجماعات المحلية تتنزل تدريجيا بتواتر الممارسة وتراكم التجارب لعشرات الفرق والمجالس البلدية المؤهلة والمتحمسة لخدمة الشأن المحلي، أيا كان بعده بيئيا ، أو اقتصاديا أو اجتماعيا، أو ثقافيا، كما هو الحال بالنسبة لتظاهرة جمعية «مشكاة الثقافية» اليوم بدار الثقافة رواد وبدعم من بلدية المكان.
ويوازي ذلك جهد إسناد فني تترجمه دورات تكوينية يؤمنها اساسا مركز التكوين ودعم اللامركزية ، وتدعيم مادي عبر صندوق القروض ودعم الجماعات المحلية، مستفيدا من زخم الإقبال المواطني والجمعياتي على إثراء أعمال دورات المجالس البلدية وأشغال اللجان، بفضل تبني مبدأ التدبير الحر وإلزامية الإعلام والتشاور ، ومن ثم انفتاح البلديات وشفافية اتصالها وأعمالها.

الشعب يريد حوكمة فعلية..تضمن شغل حرية وكرامة وطنية..وكفى.
لو عرفت تونس حوكمة لما حصلت ثورة كرامة؟
أخيرا نخطو على طريق الحوكمة، بثبات ولكن بوثوق..
لا أعرف حوكمة رشيدة، هي حوكمة وكفى، ونحن على دربها نمضي..

صرخة الشعب المقهور، لستة عقود رسمت بداية فعلية لمسار يبشر، بعد نسف سراب الخطب والشعارات وعناوين الحقبتين السابقتين، بتجذير ومأسسة نمط للحوكمة تشبه السياق الثقافي والاجتماعي للشعب، ومقاربة ومنوال للسياسة والتخطيط والتنمية والتسيير، أو التدبير..
طرد الشعب قبل تسع سنوات رأس الاستبداد، وسرت في العروق إرادة حكم الشعب نفسه بنفسه..أوليست السلطة بيد المحكومين غاية الأمل ومطلب الثائرين؟

فالحوكمة ، بما هي مشروع ودينامية وسيرورة تقتضي التوزيع العادل للسلطة والقرار بين أفراد الشعب وقوى المجتمع وفاعلي الدولة وحتى مكونات النظام الإيكولوجي، وهو ابتكار انتهيت له في ختام البحث، بإدماج عناصر المنظومات الإيكولوجية والموارد البيولوجية والثروات المائية والنباتية والحيوانية وغيرها، عبر مختصين وخبراء ومكلفين بتقديرها وأخذها بعين الاعتبار في منهج عمل الهيئة المكلفة بالتخطيط والتدبير والتنفيذ ضمن مسار الحوكمة ودواليب الفعل السياسي المنسجم مع محدداته وضوابطه.

ففي البيئة، وحوكمتها، إقرار وتفعيل، وهي مشاركةدائمة تقتضي مشورة مستمرة وتفاعلا دائما بين أطراف الحكم بما هما فاعلان وليسا قمة وقاعدة، ..
والحوكمة البيئية تكريس لهذا الخيار ، أن يكون لكل عنصر، ايا كان موقعه ووزنه في مسار اتخاذ القرار ورسم السياسة وتنفيذها وتقديمها ومتابعتها ومراجعتها..
لقد تابع بحثنا، واقع» الحوكمة» في حالات غيابها النسبي أو الكلي، ورصد أثر الغياب واستطلع محدداتها وشروط وجودها(ووجوبها؟)

وأكدت التجارب أن التفرد والإسقاط والأحادية لا تمضي إلا لطريق مسدود والاستبداد بالقرار يفضي لمأزق ولا يحمل أي ضمان لديمومة الخطط والمشاريع، لذا توجب تعاون كل المؤسسات والجمعيات لترسيخ ثقافة المشاركة، والحوكمة بما هي ناموس ناظم لفعل المسؤولين وهيئات الدولة وصناع القرار على كافة الأصعدة بتفاعل نسبي ومستمر مع محيطهم ومنظوريهم، وتعزيز تقاليد التكامل واحترام إرادات المجموعات السكانية وغيرها والقطع مع ممارسات القرارات المسقطة التي لم يشارك المعنيون في بنائها، وهو الكفيل بانخراطهم في حركة دعمها وإنجاحها، وغلا فإنها تحمل في حال «الغياب» أسباب الاندثار وبذور الفناء السريع.

ولا شك أن الحوكمة أكبر من اللامركزية واللامحورية وربما هي مدخل لها ، وأرضية ومناخ ملائم لتقدمها ونجاحها، من حيث توفيرها لقواعد تقاسم السلطة وتوزيعها عموديا وافقيا، فهي بالأساس ثقافة تتغذى وتنمو عبر مسالك تنشئة ومؤسسات تكييف وتشكيل للذهنية والسلوك، منذ الأسرة مرورا بالمدرسة وصولا إلى الجمعيات ومؤسسات الحكم كفضاءات المشاركة والممارسة الجمعية الديمقراطية، وهي مأسسة وتقاليد ممارسة ضمن المعيش اليومي، بصورة آلية يحترمها الأفراد والهياكل ، عن وعي وقبول، اكثر مما هو انصياع ورضوخ ووقوف عند أوامر ونواه وناموس إداري وإجراءات ترتيبية بدأت تترسخ عندنا بخطوات محمودة وناجحة.

ومن واجب الدولة والمجتمع معا رسم وتنفيذ مخطط تنخرط فيه سائر الهياكل والقوى لبناء مشروع ومنهج للتعايش والاحترام المتبادل، مع توافر مناخات جديدة هيأتها الثورة وما تلاها، كدستور 2014 ومجلة الجماعات المحلية ونجاح الانتخابات البلدية وما استتبع ذلك من نجاح المرحلة الموالية من فعل البلديات وتقدم المسار اللامركزي.
ومن شان المكتسبات التي تتحقق يوميا في مختلف البلديات، مزيد تعزيز تبادلية الحقوق الواجبات ، ودعم تفاعل الحكام والمحكومين، ضمن مؤسسات الحكم المحلي، وقريبا الجهوي، وصولا إلى المركزي.

إن الآفاق المرجوة لإدراك مستوى من الممارسة الديمقراطية والتشاركية، ومن سيادة ثقافة الحوكمة يتطلب جهدا جماعيا شاملا، عبر سلسلة مترابطة من التدخلات من الأسرة، وصولا لقصر الرئاسة.

هي ثورة مفاهيمية وثقافية عميقة، مطلوبة، لإعادة تأسيس ثقافة تؤكد على التعايش ، وتقلص من الفردنة الغالبة على سلوك وعقل التونسي،بما يرفع من حجم الشعور بالانتماء للوطن، والتملك للعمومي المشترك» ، ويطور عقلية التكاملية والتنسيب، ومن ثم دافعية العمل مع الآخر، والتعاون الوجوبي لرفع التحديات وكسب الرهانات، بعيدا عن طغيان الولاء الضيق وحلم الخلاص الفردي، وهو مشروع كبير يرنو لإرساء دعائم مواطنة حقيقية ينشأ عليها الفرد ويكتسب ميكانيزماتها عبر المشاهدة الحية والممارسة التطبيقية منذ سنوات النشأة الأولى، وإلا فلا مجال لحديث عن حوكمة في أمد قريب.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا