إضاءة: طبيبة الواحة، أو أفق أخضر للسياحة..

كيف نعيد رسم التطور بعيدا عن حماقاتنا القديمة؟
كيف نرتب بيت التنمية ، ونجعلها مثمرة، ومستديمة؟

هنا في جزيرة أغوت، أوليس، لم يعد لمسقبل السياحة البريق الأخاذ، بعيدا عن قتامة الندرة وفي ظل الانقراض والتبدد الوشيك..

لا صوت يعلو فوق صوت الاستدامة، ولا رهان خارج مشروع الرجوع إلى الأصل الطبيعي ومصالحة البيئة..

لم تعد السياحة الشاطئية عنصراً جاذباً للسياح كما كانت سابقاً ، فلا يخفى على أحد أن البحر والشمس قد استهلكا كمصدرين سياحيين لمعظم الوجهات المحببة في الوطن العربي. حيث بات من المُلّح البحث عن منافذ وخيارات أخرى وتسويق فلسفة سياحية جديدة من شأنها أن تدر أموالاً ضخمة على إقتصاديات الدول العربية، لهذا برزت السياحة الايكولوجية كقطاع جديد له مردود اقتصادي واجتماعي مهم فضلاً عن دوره التثقيفي بإثراء عناصر الطبيعة وتنوعها.

 ولد مصطلح السياحة الايكولوجية في مطلع الثمانينات بعد  ظهور الجيل الأول من حماة الطبيعة الذين أرادوا إضفاء صبغة الايكولوجية على الممارسات السياحية المرتكزة على انسجام الإنسان مع عناصر بيئته دون إلحاق الأذى بها، وعرفت المقاربة السياحية تطوراً كبيراً في مفاهيمها لتصل إلى ما هي عليه اليوم، فاحترام المشهد الطبيعي  واستعمال وتثمين الموارد والمنتجات المحلية هي روح فلسفتها، كذلك فإنها تخفف قدر الإمكان من إهدار الموارد  المائية وتقطع الطريق على السياحة المكثفة التي تستهدف النخب دون أن يستفيد منها عامة السكان.

أحد عشر مشروعا تقاسمته جمعيات وجهات، ببادرة من الاتحاد الدولي لصون الطبيعة وعدد من شركائه ويرنو إلى تكريس مقاربة التعريف والصون والتثمين، لترسيخ ثقافة المحافظة على المخزون الايكولوجي، وصون المقدرات الطبيعية، وتثمينها في خدمة الأنشطة التنموية من فلاحة وصيد وسياحة إيكولوجية وغيرها..
وفي أولى محطات رحلة فريدة لجزيرة الأحلام، شدا الحالم مترنما..أيها البلبل إنا أخوان..

هكذا شاء القدر الجميل هنا..وهكذا شدت عصافير من كل الأحجام، وقالت، بلغات لا يفقهها جل الناس، غير أن الحبيب دلنسي وتلميذه محمد علي شكري ، رسما صورة أخرى عن علاقة الإنسان بالطيور..معرفة وتتبعا واهتماما وحيرة..
عرض الخبيران في ورشة تدريبية لجمعية المواطنة والتنمية المستدامة مؤخرا في جربة، ضمن مشروعها التطويري لمسالك جديدة للسياحة البيئية بين مناطق رطبة وبين الوديان وقلالة وراس الرمل وباحت بكثير من فضول الإنسان وحاجته المتأكدة لتوطيد صلة ما مع أصناف من الطيور تؤم محيطه، وتعمر سباخ بلدته، وترافق رحلات البطاحات، وتربض في ضفاف قريبة حتى من موقع الدورة بمدرسة السياحة بحومة السوق..

ماذا نعرف عنها، وما لا نعرف؟
ما صنعنا بها، وما غيرنا في نمط عيشها؟
ما الذي تفيده مآس يلحقها صيادون عابثون بطيور يقرر الحمقى توقيف حياتها مع تأجيل التنفيذ..

علميا، الطّيور مجموعة من الحيوانات الفقاريّة من ذوات الدّم الحارّ، لها أجنحة وريش، وتعد قادرةٌ على الطّيران باستثناء أنواعٍ قليلةٍ تستخدم أجنحتَها للتّوازن أثناء المشي والجري، أو السّباحة في الماء كالبطريق، ويعدّ طائر النعام أكبر أنواع الطيور، أما طائر الطنّان فهو أصغرها ويمكن تعريف الطّيور أيضاً بطريقةٍ علميّةٍ على أنّها مجموعة من الحيوانات ذات الدّم الحارّ التي تُعدّ أقرب إلى الزّواحف منها إلى الثديّيات، ولديها قلب يتألّف من أربع حجراتٍ: أُذينَين، وبُطينَين، كما توجد لها أربعة أطرافٍ؛ تحوَّل اثنان منها إلى جناحَين، وتضعُ بيوضاً ذات قشرة صلبة، ولدى الطّيور بصرٌ قويّ يمثّل حاسّتها الأساسيّة في التعرّف على بيئتها المحيطة، وحاسّة الشمّ لديها بدائيّة، وأمّا سمعها فمحدود بعض الشّيء

في تصنيف الطيور في علم الأحياء اعتمد معظم علماء الأحياء من ناحيةٍ تصنيفيّةٍ على الشّكل والمظهر الخارجيّ للطّيور؛ لتقسيمها إلى أنواعٍ، ومن ذلك الاعتمادُ على خصائص الرّيش، مثل: اختلاف أنواعه، وهيئاته، واعتمدوا كذلك على شكل المنقار والقدمين، ووظيفتهما في الحصول على الغذاء، بالإضافة إلى سلوك الطّائر، وهيئة الجمجمة، ووجود عضلاتٍ مُعيَّنةٍ في منطقة الفخذ، أو انعدام وجودها، أمّا حاليّاً فإنّ تطوّر دراسة الحمض النّوويّ وتسلسلاته المُعقَّدة أتاحت طُرُقاً ووسائل جديدةً ومتطوّرةً؛ لدراسة العلاقات التطوريّة والوراثيّة بين أنواع الطّيور، وتقسيمها إلى مجموعاتٍ بناءً عليه.

في جربة مواقع مصنفة ضمن اتفاقية رمسار، ولها اهمية بيئية خاصة جدا على غرار المناطق الرطبة، وبها ثراء بيئي وطبيعي وثقافي عرض جوانب منه الخبير والجمعياتي ناصر بوعبيد، واستكمل الصورة عبد الرزاق حاج أحمد بعرض كتاب صدر منذ 17 عاما لرياض المرابط حول جوامع جربة.

مشهد فريد بفضاء مركب أرض الواحات، الرابض بمنطقة ميدون، والذي بعثته التونسية المالطي لمياء، فضاءات للثقافة وترفيه الأطفال والتربية البيئية والعناية بذوي الاحتياجات الخاصة..فضاء عجيب شيد وفق منظومة البناء الايكولوجي، ونُحت ببصمة سيدة تتلمذت على المهندس المصري فتحي الحائز على جائزة نوبل الموازية سنة 1980..في كل أجنحة الفضاء معالم إبداع، ومتنزهات ، وأنماط زراعة طريفة مستحدثة، ونصائح وحكم وأروقة للفكر ومسارات للحلم، وساحات للراحة البيولوجية والاستجمام والإقامة بذهني صديقة للبيئة.

لمياء المقيمة بتونس منذ سنوات بعيدة، تحلم بتشييد فضاء جديد بمنطقة سدي جمور، إذا غالبت ضعف الموارد، لقلة ارتياد فضاء إقامتها الايكولوجي الذي يتسع لنحو 13 شخصا بغرف متفاوتة الحجم والشكل والملامح..

البيئة، والسياحة تخص كل الأجيال، ومستقبل الجزيرة وافقها يخص الجميع..الفضاء مجال سانح لتواصل عابر للأجيال والحدود والحقول..حضرشباب الجمعيات، على غرار منسقتي المشروع ضمن برنامج المنح الصغرى للاتحاد الدولي لصون الطبيعة وقائدتي الجمعية النحلتين حسيبة بلغيث وفاطمة التريكي ، وبمناسبة الدورة عرض عدد من كوادر جمعيات الجزيرة لمحات من موروثها التقليدي، من أكلات تقليدية ، بينها البسيسة، واللباس المميز للرجال والنساء (لحاف وكدرون)، وانبرى شعراء موهوبون بينهم رئيس اتحاد الفلاحة السابق عبد الرزاق حاج أحمد يرسم من نظمه ومما حفظ من قصائد تحكي وقائع حية وحكم ومواعظ..بينها بيتان يشيان بخيبة أمل كبرى وحيرة من هزال حصيلة ثمان سنوات عجاف..

في مشروع «جربة أب»، نقاط ضوء، لأفق جديد نحو سياحة بيئية ومستدامة.

يقصد بالسياحة البيئية تلك الزيارات التي تتم الى المناطق الطبيعية التي لم تصل اليها الحضارة او النشاطات البشرية بمختلف اشكالها من قبل ولم تعث فيها فسادا, بحيث بقيت على حالها تقريبا ولم يؤثر فيها التلوث , وتكون هذه الزيارات بهدف الاستمتاع بسحر هذه المناطق والتعرف على نباتاتها وحيواناتها البرية وتضاريسها بما لا يؤدي الى احداث أي خلل في التوازن البيئي القائم في تلك المناطق .

والسياحة البيئية مصطلح حديث نسبيا فقد تم اقتراح هذا النوع من السياحة من قبل الناشط البيئي والخبير في مجال حماية الطبيعة هكتورلاسكورين الذي اقترح ان يتم تشجيع النشاطات السياحية الصديقة للبيئة من خلال التخلي عن وسائل التنقل والمعدات الملوثة للبيئة وكذلك عدم تدمير البيئات الطبيعية في سبيل إيجاد وسائل الراحة والترفيه للسياح وقد تم تبني هذا الطرح من قبل الاتحاد العالمي لحماية الطبيعة في العام 1983.

والسياحة تجربة فريدة للتعرف على مناطق جديدة وقضاء أوقات ممتعة واما السياحة البيئية فتقتضي ان يتصالح الانسان مع الطبيعة ويصبح جزءا من الجهود الرامية الى الحفاظ عليها, ولتحقيق هذا الهدف لا بد ان تقوم السياحة البيئية على عدة مقومات أهمهاالتنوع البيئي للمناطق السياحية من حيث الحياة البرية او التضاريس او المناخات للمناطق  السياحية .، وإمكانية اجتياز هذه المناطق والتجول فيها بطرق بدائية مثل المشي او استعمال الدراجات الهوائية دون الحاجة الى استخدام وسائل حماية متقدمة او وسائل تنقل الية مثل السيارات الملوثة للبيئة .

وذلك مع القدرة على انشاء بعض التجهيزات اللازمة لخدمة السائحين مع الحفاظ على التوازن البيئي وعدم التأثير على أي نظام بيئي قائم في المناطق السياحية
إلى جانب رفع الوعي البيئي للسائح وكذلك جعله اكثر تفاعلا مع قضايا وهموم المناطق التي يزورها.

كما تقوم على احترام الثقافة المحلية للمناطق التي يتم زيارتها وعدم المساس بحقوق السكان او بالمعايير والقوانين المتبعة في الدولة التي تقع المناطق السياحية ضمن حدودها .

وفي السياحة البيئية يعد السائح عنصرا مكملا لجهود حماية الطبيعة في المناطق التي لم تصل اليها عوامل التلويث وليس عبئا عليها وعلى كل سائح ان يدرك مدى أهمية الحفاظ على توازن الأنظمة البيئية في المنطقة وكذلك أهمية مساهمته المادية والمعنوية في الحفاظ على التراث الطبيعي والثقافي للمناطق التي يزورها.
وهناك عدة نشاطات استكشافية تندرج تحت السياحة البيئية بالإضافة الى بعض الأنشطة الأخرى التي يمكن تحويلها الى أنشطة بيئية برغم انها لا تندرج تحت هذا التصنيف , ومن الأنشطة المدرجة ضمن السياحة البيئية، تسلق الجبال ، ففي العالم اليوم الاف متسلقي الجبال المحترفين بالإضافة الى مئات الاف الهواة الذين جربوا خوض هذه المغامرة الشيقة لاعتلاء احدى القمم الأشهر في العالم مثل قمم جبال همالايا او قمة جبل كلمنجارو او سلسلة جبال الالب وغيرها من السلاسل الجبيلة والمرتفعات الشاهقة حول العالم , ويتم الوصول الى تلك القمم بواسطة الطاقة الذاتية للمتسلق مما يعني عدم تلوثها.

كما تخص الرحلات داخل الغابات المطيرة مثل الغوص في أعماق غابات الامازون الاستوائية التي تعد رئة العالم , وتشمل هذه الزيارات مراقبة الأنواع الفريدة من الكائنات الحية في تلك الغابات ولا يقتصر الامر على غابات الأمازون فهناك العديد من الغابات التي يمكن استكشاف الحياة الطبيعية الرائعة فيها.
وتشمل رحلات مراقبة الحياة البرية من طيور ونباتات وحيوانات مهددة بالانقراض وتنظم هذه الرحلات في الغالب جمعيات الحياة البرية المتخصصة بحماية الأنواع المهددة بالانقراض وزيادة الوعي البيئي بأهمية كل نوع من أنواع الكائنات الحية .

ومنها أيضا الرحلات الصحراوية التي تهدف الى الخروج الى الطبيعة دون قيود حضارية وإقامة الحفلات القائمة على وسائل بدائية لتقديم تجربة صفاء ذهني وروحي للسائح.

كما تندرج رحلات الصيد البري او البحري الموافقة للشروط القانونية والبيئية بما يضمن عدم الاخلال بالتوازن البيئي مع دم المساس بالأصناف المهددة بالانقراض.

وتضاف لها رحلات تصوير الطبيعة اذ تقوم الجمعيات البيئية بتنظيم رحلات لهواة التصوير وذلك لمنحهم فرصة للاقتراب من الطبيعة وتقديم افضل الصور لها.

إلى جانب المشاركة في الفعاليات الدولية البيئية او تلك الفعاليات المحلية الخاصة ببلد معين والتي تهدف الى تسليط الضوء على بعض القضايا البيئية مثل المشاركة في يوم الأرض العالمي او في ساعة الأرض او في أي مسيرة بيئية تهدف الى مواجهة خطر معين يحيق بنوع من الأنواع او بإحدى الغابات او المحميات الطبيعية او غيرها .

وتلك النشاطات ما هي الا امثلة على تنوع المجالات التي يمكن للسائح من خلالها قضاء وقت ممتع والمساهمة بحماية البيئة في منطقة ما من العالم , ولم تعد جهود حماية البيئة مقتصرة على المنطق الطبيعية التي لم تصل اليها عجلة التطور الحضاري الإنساني لكنها تشمل أيضا المساهمة في الحد من تلوث المناطق الملوثة حاليا والعمل على تخفيف اثار التلوث فيها وكل ذلك جعل من السياحة البيئية واحدة من اكثر أنواع السياحة نموا خلال السنوات الأخيرة.

ان اعظم فائدة تقدمها السياحة البيئية هي تخفيف الضغط الواقع على الأنظمة البيئية في الأماكن السياحية بما يضمن استدامة الموارد الطبيعية كذلك تعمل على الحفاظ على الموروث الثقافي والحضاري للسكان المحليين والحفاظ على القيم الإنسانية والديمقراطية للشعوب كما يزيد من فرص العمل لسكان المناطق الريفية وخاصة للعمالة غير المدربة والتي قد تجد في نقل السائح وامتعته على الدواب عبر الأماكن السياحية مصدرا مهما للدخل , كما تشجع تطوير تلك المناطق بطريقة تحافظ على مقوماتها الريفية الجميلة وتمنع الشركات السياحية العملاقة من إقامة المنشآت السياحية الضخمة فالسياحة البيئية تقوم على المنتجعات الصغيرة والفنادق الصغيرة او النزل الريفي المتواضع وليس على الفنادق الضخمة ذات المستوى الراقي, وهذا يعني توزيع الدخل السياحي على شريحة اكبر من السكان وعدم حصره بأيدي بعض المستثمرين الكبار.

تساهم السياحة البيئية في تطور الاقتصاد الأخضر القائم على حماية البيئية واستدامة الموارد كما تزيد من فرص نمو التعليم البيئي في الدول النامية التي تعاني من معدلات عالية من التلوث نتيجة غياب تقنيات معالجة النفايات الصلبة والسائلة وعدم تطبيق قوانين صارمة للحفاظ على البيئة والموارد الطبيعية , كما تساهم في الحفاظ على المناطق الاثرية من التدهور بفعل الممارسات الخاطئة لبعض السائحين والتي تؤدي الى حرمان العالم من موروث ثقافي مهم, وبالتالي فإن للسياحة البيئية فوائد جمة لا تقتصر على البيئة بل تتعداها الى الاقتصاد والثقافة وحقوق الانسان وهو ما يزيد فرص نموها عام بعد عام.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا