إضاءة: الحلقة المفقودة في المنظومة البيئية المنشودة

ماذا بعد الفوز الواضح لإرادة الشعب؟ ماذا بعد دستور ولد من رحم الصورة واقر للناس بحقوقها، وأبان عن عزم لتثبيت

حقوق الأجيال القادمة في التنمية المستدامة؟ ماذا بعد محاولات وتمارين وتجارب وهفوات متلاحقة متكررة؟

نفس الطرق، انتظروا منها أن تؤدي لأهداف ونتائج مختلفة.

الحال البيئي عرف الانفلات والفوضى، واستمر الفعل مترنحا مهزوزا رغم بعض البوادر، في غياب منهج شامل ورؤية استراتيجية وخارطة طريق.

فقد أكد خبراء ومختصون، أن درب إدراج الملف ضمن حقيبة قطاعية أخرى يعني تقزيم المجال وإضعاف حظوظه وتحجيم الهيكل وتعجيزه.

جرت المقاربة الإدماجية فما صحت.

أما آن الأوان لرسم صيغة جديدة لمشروع هيكلي يمنح للبيئة روحا قوية منفتحة أفقية مؤهلة للتحرك والتأثير وتكييف نشاط باقي الفاعلين محليين ودوليين بما يخدم تعزيز قدرات الجهاز البيئي ويرفع من مصداقيته ويوسع صلاحياته بحيث لا تخضع لمصلحة جهة، ولا ترتهن لمصالح قطاع أيا كان.

التفكير يتجه لاقتراحات وجيهة من بينها إفراد البيئة(مع الاجتهاد في التسمية) وجعلها حقيبة سيادية، بحيث لا تعرف تضييقا ومراجعة في اتجاه التقليص والتضحية والحذف,

همسات بعض المعنيين بالبيئة المتسائلين عن افقها القريب أحالتني على ما دونت قبل عام تقريبا..في سياق ما أكتب من بريد إلى من تعذر مخاطبتهم مشافهة، او صموا الآذان وتأففوا من طرح القضية لعجز أو جهل أو ازدواجية مع تعال عن الحقيقة وتألب على تواضع المتعلم والعالم.

في خضم الرغبة المحمومة التي عصف بالكثيرين ممن يكتب لهم معايشة حال المجتمعات الغربية وحتى الأمريكية والآسيوية، يتملكهم الأمل والألم معا,,وكثيرا ما يلعن بعضهم التخلف، ويكتفي البعض بالتأفف.. سمعت صوتا هاتفا..ماذا لو؟ .

لو كنت يوما وزير للبيئة ماذا عساك تصنع؟

لبادرت بعيدا عن اللغة الخشبية والإسقاط والدمغجة..إلى تحويلها الى شغل المجتمع وحديث الناس وهمهم الأول حتى يرقى الحال إلى ما يليق بشعب متحضر ومجتمع ناضج لا يرضى بالدون..

لطبقت مبادىء النزاهة والشفافية والتواصل والحوكمة,,

لفعلت قبل أن اقول، ولصدقت الناس ، ولبدأت بنفسي..وكنت أنا المنظف الأول معينا وسندا للعون البلدي..ولجعلته واحدا من نجوم نخب العاملين على صون الصحة العامة وجودة حياة المواطنين، كالمهندس والطبيب..

ولوقفت على أرض صلبة من الوعي بواقع الأرض، ولشخصت بمعية الخبراء إمكانات الارتقاء بحال المجتمع استنادا الى مقدراته وثرواته، بعيدا عن التقليد والنسخ والنقل الآلي لتجارب الآخرين..

لبادرت بجعل البيئة، حقيبة سيادية، ومجالا للمبادرة والتباهي، والعطاء والإنجاز قبل الشعار والواجهات البراقة ,,ولبدأت بوقف إفرازات النفايات الفكرية والسلوكية من دوائر الرسميين والنخب..ولتحركت في كل الاتجاهات ولقمت بمبادرات بعيدة عن ذر الرماد وطاحونة الشيء المعتاد.. كنت فيها أول مشارك، ولحدثت الناس عن تغير المناخ والاقتصاد الأخضر والتنمية المستدامة، ولكن بلغتهم، ولأشركت الكبير قبل الصغير والغني قبل الفقير في إصلاح ما فسد، وإزالة ما تلوث، لأخذت من يد المستكرشين المبذرين والمستبيحين قبل الضعفاء مقدرات الوطن وثروات الطبيعة.

قال ضميري، لو وصل الى الأمر حينا من الدهر، لحرصت على أن تكون النظافة وحماية البيئة ركنا في التنشئة من البيت والمدرسة وفي وسائل الاعلام، و لأقررت خطة عاجلة لاستغلال كل قطرة ماء مطر أو صرف صحي، تلقى في البحر، ولحددت من التبذير ولرسمت برنامجا لتثمين النفايات، واعتماد البدائل العضوية، ولعززت الزراعة ومقوماتها، ولخصصت يوما فلاحة الأرض، وعممت تدريجيا آليات التنمية النظيفة، بدءا بالسلوكات البسيطة التي داب عليها أجدادنا..

لو كنت وزيرا للبيئة، لاجتهدت في صياغة مشروع مجتمعي بيئي يحمل روح البلد يراعي خواص الوطن، ولحددت متجهات مدققة تتوزع على كل القطاعات والمؤسسات والدوائر التي تجتهد في إدراكها بوسائل وبرامج ومشاريع مدققة ومرقمة ، ولعملت بقاعدة أننا استلفنا الأرض ومقدراتها من أحفادنا ولم نرثها من أجدادنا..
ولرسمت بمعية كافة الفئات مخططا للانتقال البيئي يلتزم فيه كل بحد أدنى من التعهدات والالتزامات المرقمة والمضبوطة بآجال ومؤشرات..

ولوضعت خارطة لبلدي من حيث أوضاعه وأنظمته وفرص توظيف منظوماته ومخزونه، مع نسخة للخارطة في أفق خمس أو عشر سنين، ندركها بمجهود جماعي ومخطط واقعي يرنو لأن تعود تونس خضراء ايا كانت الكلفة والتضحية..

لو كنت مؤهلا لنصح متصد للحكم في تونس اليوم، لذكرت بأولوية البيئة بعيدا عن التقسيم القطاعي والمحاصصات الحزبية والنظرات الضيقة والأفكار المغلوطة من قبيل أن جل ما أنجز في المجال محسوب على العهد البائد..

يستدعي الأمر صراحة وجرأة وتحكيما لعقل سياسي يقدر طبيعة السياق، وأهمية المسألة في ارتباطها بأمننا الحيوي، وحتمية تأمين الموارد وتجددها، والمصلحة الأكيدة للتنمية في اعتماد منوال صديق للبيئة، يتجه للاستدامة ويعتمد عناصرها اللازمة كالطاقة النظيفة والتثمين والاستسماد وغيرهما.

متى ندرك إن البيئة اوسع من التجهيز والفلاحة والشؤون البلدية والنظافة على أهميتها؟

متى نعي أن وقتا ثمينا ضاع في تهميش لمجال(وليس قطاع) رتب له مختصون وخبراء وفاعلون ملامح رؤية استراتيجية قبل خمس سنوات اشترك في إخصابها مئات من عائلات التعليم والإدارة والبحث والمجتمع المدني ودونت عصارة جهدهم بوثيقة طبعت وأودعت الرفوف فور مغادرة الصديق منير منسق المشروع مكتب المسؤولية.

نحتاج الى وقفة حازمة تضعنا على سكة رواندا وسنغفورة وألمانيا، بل ، وقرطاج وزغوان، وقابس والجريد، ففي مخزوننا مآثر ومفاخر تشي بعقل بيئي حضاري زاخر بالحكمة ومقومات الرشد وحصافة التدبير.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا