إضاءة: قمة بيئية عربية مرتقبة..

سألني صديق، أوليس للبيئة من الأهمية ما يفرض طرحها على طاولة التوافقات والهموم المتأكدة للقادة

والزعماء في قمتهم الأخيرة المنعقدة بتونس؟

أوليس من المفارقات أن يعرف العالم العربي كل المشاكل والتحديات والمخاطر البيئية وتمظهرات الكوارث من جفاف وفيضانات وتصحر وانجراف وانجراد و...ولا يجد المشاهد والقارىء لها اثرا في بياناتهم ولوائحهم؟

أوليست قضايا البيئة، مصدر قلق وسبب انزعاج وتهديد لمصالح الدول وأمن الشعوب وحقوق أجيال قادمة، بما يبرر مثل ذلك الاهتمام ويفرضه على الرؤساء وأعضاء الجامعة على مستوى القمة؟

لا توجد منطقة في العالم في مأمن من التحديات البيئية، لكن تلك التي تواجه الوطن العربي هي تحديات ذات طبيعة شديدة بشكل خاص، فرغم أن المنطقة غنية ببعض الموارد الطبيعية مثل النفط والغاز، لكنها تواجه عجزاً خطيراً في موارد أخرى كالماء والأرض الزراعية اللازمة لدعم متطلبات النمو.

وعند الأخذ بعين الاعتبار سياق التحولات الديمغرافية المتوقعة والنمو السكاني، والتدهور البيئي في الماضي والحاضر، إضافة إلى أثر العولمة والتبدل المناخي، فإن هذه العيوب تثير سؤلاً خطيراً، وهو: هل يمكن للموارد البيئية أن تدعم حياة الأجيال القادمة في الوطن العربي؟ كثيراً ما يُطرح هذا السؤال على المستوى العالمي مرتبطاً بانتشار التدهور البيئي ونضوب الموارد وانقراض الأنواع والتبدل المناخي، لكن المنطقة العربية قد تكون من بين المناطق الأولى في العالم التي تواجه السؤال بشكل مباشر نتيجة لطبيعتها البيئية الفريدة.

إنّ التحدي لا يتعلق بمجرد تحقيق التنمية المستدامة، وهو المفهوم الذي حظي بالاهتمام العالمي لأول مرة في لجنة برنتلاند، ثم لاحقاً في قمة الأرض في ريو دي جانيرو في عام 1992 وبعد ذلك، شكَّل جزءاً من المرامي الإنمائية للألفية، وهو يدور حول البقاء والرخاء وجودة الحياة لنسبة كبيرة من سكان المنطقة.

إن الحالة البيئية في الوطن العربي مرعبة، مع تهديدات هائلة تتعلق بالاستدامة، وهي تثير تساؤلاً حول القدرة المستقبلية لدى سكان المنطقة على البقاء على قيد الحياة. وقد درسنا في هذه الدراسة مختلف العوامل المحركة التي تؤثر في تدهور البيئة، فحددنا ثلاثة منها رئيسية، وهي التطور السريع المرتبط بشكل خاص، بتوافر النفط والاستثمارات في مرحلة ما بعد الاستقلال والنمو السكاني وزيادة الاستهلاك والنزاعات.

في مراجعتنا للظروف البيئية في المنطقة، نتبين التحديات المهمة في مجالات ندرة المياه، وإتاحة الماء والإصحاح، والموارد البرية، والتنوع الحيوي وسبل العيش، وجودة الهواء وغازات الاحتباس الحراري، وتدبير الفضلات الصلبة. إن للتدهور البيئي، ولندرة الموارد، آثاراً مهمة في سبل العيش، وفي الصحة العامة، وقد أُثبت ذلك من خلال النسبة المئوية للناتج المحلي الإجمالي، الذي هو أعلى بمقدار 1.5 إلى 2 مرة مما هو عليه في البلدان الصناعية، ومن خلال عبء المرض، الذي يتراوح بين 14 % (في بعض البلدان العربية) و33 بالمئة (في بعضها الآخر)، مثيراً مخاوف مهمة حول العدالة.

ويتعزز الفعل البيئي ببطء في المنطقة، ويصبح إطار السياسات العامة، على نحو متزايد، داعماً لاتخاذ إجراءات أقوى، لكنه يتعرقل بمحدودية التمويل وعدم كفاية التعاون بين القطاعات، ومحدودية التعاون الإقليمي، وقِدَم الإطار القانوني، وضعف الاستراتيجيات في وضع الأولويات. وإضافة إلى الدول، لقد أظهرت أطراف فاعلة جديدة في مجال البيئة، مثل المنظمات غير الحكومية، ومع ذلك بقي الفعل السياسي ضعيفاً في مجال البيئة. هناك بلدان قليلة نجد فيها أطرافاً تدعم زيادة المساحات الخضراء، ولكن الدعم العالمي للعمل البيئي يحمل أملاً في هذا المجال. وقد راجعنا أمثلة عن البرامج البيئية في مجالات ندرة المياه ونوعيتها، وإنقاص المواد المستنفذة للأوزون، ومعالجة الفضلات الصلبة، وأساليب مبتكرة للنظام البيئي، ومع ذلك، فإن قياسات الأداء البيئي للبلدان العربية تشير إلى الحاجة إلى التحسين. 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا