الحركة البيئية في تونس: المؤسسات البيئية الصغرى، ورهان الاقتصاد الأخضر

ليس من قبيل الصدفة الحديث ، في البلاد المتقدمة،المتواتر عن أولوية الإقتصاد الأخضر، وحتمية تثبيت ركائزه لضمان تحقيق النمو، وتأمين استدامته، فالمجال الذي يعرف نموا صاروخيا يكاد يصل ذروة العنفوان في عديد الدول الصديقة للبيئة لتستبدله، دون التخلي عن جوهره

بخيار مشابه، يتمثل في الاقتصاد الدائري.

لا يخفى ارتباط هذا المنوال التنموي بمفهوم الاستدامة، باعتبارها تقتضي ثلاثة شروط، وهي البيئة والاقتصاد والاجتماع.
وفي البلاد الرائدة بيئيا، تقدم اقتصادي واضح، يعمق باستمرار اندراجه في النموذج الأخضر-الدائري

والفاعلون في المجتمعات المتبنية فعليا لهذا التمشي، منسجمون في احترام كافة متطلبات تنزيل خيارهم، متضامنون في تنفيذ بنوده من رئيس البرلمان لأبسط ربة بيت
والتطرق للمسألة في سياقنا الوطني يعتبر نسبيا حديثا وناشئا، غير أنه عرف خطوات مهمة ذات طابع دلالي نموذجي وتقدمت إلى حد ما في مسالك متفرعة عن منظومة الاقتصاد الأخضر، أبرزها التثمين والرسكلة، حيث تنشط مئات وحدات الرسكلة ، مؤمنة التخلص الإيجابي(لا بالردم أو الحرق)وتثمين النفايات بالاستسماد أو إعادة إنتاج مواد جديدة(من زيوت التشحيم والبلاستيك والورق خاصة).

منظومة تتمدد
ينتظر أن يعرف المجال خطوة نوعية هامة بانطلاق تجسيم برنامج بعث وحدات تثمين جهوية للنفايات المنزلية والمشابهة، انطلاقا من مدنين لتعمم خلال السنوات القادمة، بما يضمن التخلص من مشكل بيئي(تراكم عشوائي للنفايات، وإزعاجات ناجمة عن التجميع والردم) وإنعاش الاقتصاد عبر بعث مؤسسات صغرى ومواطن شغل، وتخفيف وطأة البطالة..

كما تمثل كل أصناف النفايات فرصا للتثمين ومن ثم بعث مؤسسات ومواطن شغل جديدة، وفق شعار أطلقته وزارة البيئة قبل عشر سنوات، تزامنا مع بعث منظومة شبكة أحباء البيئة، شاب، النفايات مصدر للثروات.
وقد مثلت عملية تقييم هذه التجربة الطريفة، التي استفاد منها مئات الشباب، محور تقييم أولي وغير مباشر ضمن «خميس النفايات» الذي أطلقته حديثا الوكالة الوطنية للتصرف في النفايات، لتعلن عن وجود مجالات للتطوير، وآفاق لإثراء شبكة منظومات التثمين عبر التحفيز على إنشاء مؤسسات ناشطة في مجالات أخرى.

لم تعد الفضلات، مصدر وصم وخزي، وبدأ العاملون في مجال النظافة واستعادة وتجميع ورسكلة النفايات بأصنافها، يبدون في تمثل المواطنين، بصورة عمال مجتهدين، ومستثمرين وباعثي مؤسسات خضراء، يفيدون المجتمع، يساعدون على التشغيل، ويجنون الملايين.
ويؤشر عقد الدورة الثانية من اللقاء خلال الأيام القادمة، لمنظومة النفايات الصحية، لوجود مجالات متعددة وكثيرة لنشاط تنموي واستثماري مربح، في حقول ومواد عدا البلاستيك والورق، وزيوت التشحيم، التي تقود منظومتها منذ عقود وبنجاح الشركة التونسية لمواد التزييت.

وخلافا لما يشاع، فقد انطلقت تجارب جنينية ومبادرات في مجال استعادة وتجميع نفايات من بينها العجلات المطاطية والبلور والحاشدات والبطاريات وحتى المواد الالكترونية والكهربائية والمنزلية وفضلات البناء.
فميدان التثمين، هو من أكثر المجالات الجديرة بالتحفيز والدعم لتعدد مزاياها وآثارها لبيئية والاقتصادية والاجتماعية.
وسيتيح تطوير هذه المنظومات إثراء لنسيج مؤسساتي مجدد صديق للبيئة منشط لسوق الشغل وباعث للعملة الصعبة.

مساهمات المجتمع المدني.
ولا يرتهن انطلاق القطاع بإجراءات الإدارة ونشاط المؤسسات العمومية، مع أهمية مساهمتها التشريعية والترتيبية والتحفيزية والتوضيحية، على غرار دعم مجال الطاقات المتجددة ودفع المؤسسات والتقنيات النظيفة وإطلاق البناء الإيكولوجي.
وعلى غرار ميدان النفايات الالكترونية الجاري تعزيزه بمساهمة فنية من الجانب الكوري، يشهد قطاع البناء الايكولوجي اهتماما خاصا من الهياكل البيئية العمومية والخاصة، وقد سجل مؤخرا تزامن لتنظيم ملتقى حول البناء المستدام، وصالون للبناء الايكولوجي في دورة ثامنة، من إنجاز المناضل البيئي و الناشط الخاص فوزي العيادي ، وعرفت برغم قلة الدعم، وضعف حضور المؤسسات العمومية ودعمها المادي للتظاهرة، بلورة لآفاق جديدة لاعتماد المواد الصديقة للبيئة ولإمكانات التعاون والبحث والشراكة بين الصناعيين والفنيين والقطاعات العمومية والخاصة لإنجاح خيارات اعتماد البدائل الصديقة للبيئة، بما فيها تلك التي تخص المساجد.

ومع مساهمات الصندوق العالمي للطبيعة والاتحاد الدولي لصون الطبيعة بتونس بدعم مشاريع جمعياتية في إطار الاقتصاد الأخضر والزراعة المستدامة والسياحة الايكولوجية تؤشر مبادرات جمعيات جهوية بقليبية(بالنفايات المنزلية) وزغوان(نفايات الهدم والبناء) ومدنين (العجلات المطاطية) ورقات رابحة ونقاط تقدم في طريق انخراط منظمات المجتمع المدني في سياق الاقتصاد الأخضر وهو تمش تدعمه الهياكل العمومية، وتسنده هيئات ومشاريع وبرامج من بينها الصناديق البيئية ومنظمات من بينها (لاباس) المنظمة الفرنسية الناشطة بتونس منذ خمس سنوات والداعمة فنيا للجمعيات ضمن الاقتصاد الاجتماعي.

تثمين واستشراف
لا تخفى المكتسبات الهامة، ومؤشرات الحركية الواعدة في مجال المؤسسات الصديقة للبيئة، وهي أوسع مما أشرنا تمثيلا لا حصرا، وهي تستفيد من دعم برامج للمصاحبة والتكوين (على غرار سويتش ماد) وبرامج تطوير بوزارات البيئة والصناعة والتشغيل والسياحة وغيرها، وهو ما يستدعي مزيد بلورة الآليات المناسبة لتحسين أداء هذا القطاع وتسريع نموه ومساعدته على تجاوزي بعض المعيقات.

وهو بحاجة لرؤية وطنية جامعة تفرزها لجنة قيادة تجمع مختلف الفاعلين ، بمن فيهم الجمعيات والمنظمات الإقليمية والدولية والممولين والشركاء الفنيين، تعكف على تقييم الواقع، ورسم استراتيجية طموحة لتنشيط نسيج مؤسساتي يستند بالخصوص للإقراض الصغير، ويساعد الباعثين من العاطلين على إنشاء مؤسساتهم الخضراء مع توفير شروط النجاح.

وهذا المشروع القائم على تلك الرؤية يستند بالضرورة لإرادة سياسية قوية، وإسناد مناسب من الشركاء المعنيين، لا بد أن يراهن على روح مبادرة واعتماد على الذات في سبيل استلهام التجارب الآسيوية الناجحة في مجال التنمية والتشغيل وبعث المؤسسات الناجحة المثمرة اقتصاديا واجتماعيا وبيئيا.

فلا مفر من تنسيق الجهود وجمع المعنيين في سبيل تقييم المنجز وتشخيص أسباب الخلل التي تفسر بعض العزوف، أو مظاهر إخفاق بعض التجارب والمؤسسات لتفاديها، وافتتاح مراحل متقدمة من مشاركة الشباب التونسي المتحفز لإنعاش الاقتصاد الأخضر.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا