النخب والعامة..وشروط الاستدامة

تشكل النخب عادة النماذج الفكرية والسياسية التي تقود وترسم المتجهات وتحدد البرامج والخطط التي تسلكها العامة، وهي في مجال البيئة، أسوة تحتذى أو هكذا يفترض في السلوك الرشيد وتقديم التجارب النموذجية القابلة للتعميم.

ويطرح من جديد سؤال حول مدى تحمل النخب لهذا الدور الحيوي الحساس واضطلاعها بأمانة فتح الطريق وإلقاء الضوء الذي يدل على أفضل المسارات المقترحة لتكريس متطلبات صون البيئة وتأمين التنمية المستدامة.
إنه السؤال العالق المتجدد الذي يقرع أبواب المربين ويذكرهم بموقعهم الخطير في تشكيل العقول وبناء الذوق واتجاهات الجيل الناشىء حيال محيطه ومجتمعه، وهو يدق أبواب السياسيين والمشرعين وأصحاب القرار، ويكرر سؤال: ماذا صنعتم ببيئتنا؟

فالنخب بما هي مزودة بالأهلية الفكرية والفنية والقانونية والاعتبارية للسبق والقيادة تتحمل مسؤوليات مضاعفة مقارنة مع العامة، وفق مبدإ « من سن سنة حسنة» و«يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن» وهو ما يحتم على المنتصبين في مواقع رفيعة بدءا من الأولوياء والمربين وصولا للرؤساء الثلاثة مرورا بالمسؤولين الإداريين وأصحاب المهن المتدخلة في معيش الناس في سبيل ترجمة مواقف متناسبة مع مسار بناء النموذج المجتمعي المواطني الموعود.

فالواقع التنموي والمواطني المنشود هو ثمرة لعمل مشترك يسهم فيه كل بحسب وزنه، جمهور المواطنين بشرائحهم وفئاتهم، وفي مقدمتهم ممثلوهم المنتخبون وقادة الرأي والفكر والنجوم.
وتمثل حركة غراسة الشجرة الزيتونة مثلا، كحركة نموذجية قادها مؤخرا وزيرا التربية والفلاحة ، مثالا لمشروع نموذجي يحمل دلالة رمزية عن الفعل المطلوب للنخب في افتتاح عادات فردية وجماعية إيجابية في طريق ضمان المعادلة البيئية وتحقيق شروط انطلاق التنفيذ العملي للمشروع المجتمعي البيئي المثالي.

فالنخب لا تنفصل عن العامة ولا تتعالى عليهم، وهي تعيد بأشكال أكثر دقة ورمزية رسم الحلم الجماعي والوعود المعلنة عبر مبادرات وخطوات فعلية تفعل المطامح وتخط معالم في اتجاه الغايات المحددة
وتتطلب الفاعلية في تنفيذ التعهدات من النخب، ضبط اتجاه البوصلة بوضوح.. والسؤال الضمني المتكرر هنا,,هل فعلا نخبنا القائدة للمجتمع مع البيئة، وهل حزمت أمرها حقا في معركة الاستدامة والقطع مع مسببات النكوص والنقص وإهدار الموارد؟
والسؤال أيضا كيف السبيل لنفي التناقض في مواقف النخبة تجاه المسألة البيئية، والحال ان هيئة التنمية المستدامة وحقوق الأجيال القادمة، هي الهيئة الدستورية الوحيدة التي لم تنزل للواقع وترى النور، وهل يوجد هنا مبرر مقنع للتأخير؟

إن الجواب هنا يتطلب تقليص الهوة بين الوعود والشعارات والأحلام وبين الإجراءات المطلوبة، كما تم مثلا في مشروع تطهير بنزرت، حيث انطلقت بوادر ورشة كبرى لمحو آثار مضرة بيئية دمرت المنطقة وشوهت محيطها وخنقت مواردها ومتساكنيها.
وهو يستدعي في ضوء تعميم الانفلات والاخلالات الذي كان المواطن بطله بعد الثورة، تفعيل ثورة ذهنية خضراء تعتمد إصلاحا تربويا بيئيا، ينطلق بدراسات علمية مندمجة لمحددات سلوك التونسي، وتقترح منطلقات جديدة لتكييف سلوك التونسيين وفق متطلبات المشروع المجتمعي والتنموي المستدام

وهو يتطلب تواترا في مبادرات النخب والمسؤولين والقادة والمثقفين نحو التصالح مع البيئة الغريبة المخربة، وتوفير قدر كاف من المعلومات والإمكانيات لتحرك الناس وفق هوامش معقولة تراعي ظروفهم وواقعهم.
يستدعي الأمر مراجعة عميقة لدور النخب نحو تحمل مسؤولياتها في مراجعة أدوار الأطراف المتدخلة وتأمين مشاركة متدرجة وعادلة للجميع في حماية تشاركية واعية للموارد وأسباب حياة التونسيين واستمرارية نمائهم ورفاههم.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا