إنتفاضة المزارعين في أوروبا مظاهرات في عديد البلدان وتطويق للعاصمة الفرنسية باريس

بدأت الأزمة الزراعية في أوروبا مع التحركات

التي قامت بها جمعيات المزارعين في هولندا بسبب قرار الحكومة بخفض نسبة الاعتماد على مادة الآزوت المتهمة بالتسبب في الاحتباس الحراري والمستعملة في عدد من الأسمدة في أوروبا. وسرعان ما انتشرت المظاهرات كالنار في الهشيم في إيرلندا وبلجيكا لنفس السبب. ثم اتسعت رقعة المطالبات إلى رومانيا، وبولونيا،وإيطاليا، وألمانيا، وفرنسا.

وبالرغم من الإجراءات الحكومية لصد تلك التحركات فقد أخذت أزمة الزارعين اشكالا استعراضية في برلين حيث خرجت عشرات الجرارات الفلاحية للتعبير عن غضب الفلاحين في حين اندلعت الأزمة في جنوب فرنسا أين أغلقت التنسيقيات الفلاحية الجهوية بعض الطرق السريعة قبل أن تنتشر الظاهرات في كل أنحاء البلاد. وهو ما جعل الحكومات في ألمانيا وفرنسا، أمام حجم التحركات، تأخذ إجراءات استعجالية لكسر المظاهرات. لكن ذلك لم يعط ثماره في فرنسا أين قررت التنسيقيات الفلاحية وفدرالية المزارعين تطويق العاصمة باريس بالتوازي مع المفاوضات الجارية مع الحكومة.
مظاهرات ضد بروكسل وأوكرانيا
مشاهد الجرارات الفلاحية في شوارع العواصم الأوروبية المنشورة على شاشات التلفزيونات في أوروبا طغت على المشهد السياسي وحولت وجهة الخطاب الرسمي في كل العواصم الأوروبية إلى محاولة إيجاد حلول تمكن الخروج من الأزمة. مطالب المتظاهرين تمحورت حول التنديد بمواقف المفوضية الأوروبية التي فرضت إجراءات جديدة، اعتبروها مجحفة، لحماية المحيط من جهة، وتمكين أوكرانيا بتصدير الدواجن والبيض والسكر والحبوب والعسل إلى الفضاء الاقتصادي المشترك بدون اخضاعها للضريبة الجمركية. وهو وضع اعتبره المزارعون منافسة غير شرعية وغير منصفة أصبح يهدد استقرار الضيع الصغرى.
من ناحية أخرى تعالت أصوات الفدراليات الزراعية في ألمانيا وفرنسا خاصة للنديد ب"الاتفاق الأخضر" الذي يخضع بموجبه المزارعين على اتخاذ إجراءات إضافية لحماية المحيط وخاصة التقليص من استعمال مادة الآزوت المستخدمة في الأسمدة والتي تعتبر أهم مادة في رفع نسب الاحتباس الحراري (90%) في حين تشكل بالنسبة للمزارعين المادة الأساسية التي تضمن الرفع في نسب الإنتاج. نفس الرفض وجهه المتظاهرون ضد مشروع "إتفاقمركوسور" حول التبادل الحر مع بلدان أمريكا اللاتينية (الأرجنتين والبرازيل والبارغواي والأوروغواي) التي لا تلتزم بنفس معايير الإنتاج الأوروبية.
ويطالب المزارعون بتحسين مستوى عيشهم وأجورهم التي تصل في فرنسا مثلا، بالنسبة للضيع الصغيرة، إلى نصف الأجر الأدنى المضمون، بدون أن يتمتع المزارعون الذين يعتبرون "رجال أعمال" بالإعانات والحوافز التي يمنحها القانون لضعاف الحال. ويطالب المتظاهرون في هذا المجال بإجبار الموزعين وشركات صناعة المواد الغذائية بشراء المواد الفلاحية بالسعر الذي لا يقل على التكلفة الحقيقية وبعدول بروكسل على اجبارهم بعدم استعمال 4% من المساحات الزراعية البور التي تحد من مدخولهم السنوي.

رد أوروبي محتشم
وأمام انتفاضة عالم الزراعة الذي يشكل أهم بند في الميزانية الأوروبية وأوسع مادة تمس كل البلدان الأعضاء، سارعت المفوضية بالإعلان على بعض التنازلات مثل تمكين المزارعين بصفة استثنائية في استخدام الأراضي البور عام 2024 ومواصلة استخدام مادة "الغليفوزات" في الأسمدة لمدة عشر سنين إضافية بالرغم من خطورتها على الصحة. وأعلنت رئيسة المفوضية أنها سوف تتخذ "إجراءات داعمة" للمزارع الأوروبية تجاه الواردات من أوكرانيا التي تسبب خطرا على توازنات السوق المشتركة بدون أن تفصح عن إجراءات دقيقة واضحة. وأعلنت رئيسة المفوضية أورسيلا فن در لاين من جهة أخرى أن المفوضية أوقفت المفاوضات في شأن مشروع التبادل الحر مع بلدان "المركوسور".
وتحركت العواصم الأوروبية للضغط على بروكسل بسبب أن معظم النظم المعتمدة في الزراعة تسنها بروكسل في إطار "السياسية الفلاحية المشتركة" التي، في واقع الأمر، تساعد الفلاحين بصفة ملموسة يعابرها المتخصصون في هذا الشأن الركيزة الأساسية التي بدونها لن توجد فلاحة أوروبية. من ذلك أن سارع الرئيس الفرنسي الذي انتقل يوم الخميس 1 فيفري إلى بروكسل بالمطالبة باتخاذ إجراءات سريعة من قبل المفوضية لحماية المزارعين الأوروبيين وخاصة المتعلقة بمراكز الشراء التي لا تحترم الإجراءات والقوانينالقومية، بل تتحرك في إطار أوروبي مشترك لفرض أسعار منخفضة على المنتجين بدون مراعاة التكلفة الحقيقة وذلك لرفع مستوى مداخيلها.
وتبقى المسألة الأساسية والشائكة "السياسة الفلاحية المشتركة" التي تواجه تحديات تتراوح بين اعانة المزارعين على الإنتاج والعيش الكريم وفي نفس الوقت ادخال إجراءات جديدة للحفاظ على البيئة في إطار التحول الإيكولوجي المعتمد. ربما هذه الأزمة هي أول فرصة تساهم في إعادة النظر في السياسة المشتركة. وهو ما أعلنه رئيس المجلس الأوروبي والذي أكده كذلك وزير الفلاحة البلجيكي دافيد كلارنفال في الشروع في تقييم السياسة المشتركة الحالية وادخال التعديلات الضرورية على المستوى الأوربي لضمان حماية الفلاحة الأوروبية المشتركة.
تشابك المصالح الاقتصادية والانتخابية
اعتبر الخبراء في ميدان الفلاحة الأوروبية أن انتفاضة الفلاحين، وخاصة الفدرالية الفرنسية للمزارعين التي دخلت الحملة الاحتجاجية في آخرها، لا تخلو من ابعاد سياسية. إضافة للخلافات الداخلية بين التنسيقيات الجهوية والنقابات الوطنية ومختلف النقابات بين صغار الفلاحين ونقابات الضيع الكبرى، فإن التحركات الحالية تأتي 4 اشهر قبل الانتخابات الأوروبية التي سوف تحدد تمثيلية الأحزاب المشاركة في البرلمان الأوروبي القادم. وقد ظهرت تقييمات مختلفة بين موقف الفلاحين المعلن ضد الإجراءات الإيكولوجية وسياسات الاحزاب الخضر التي تعتمد في قلب سياساتها التحول الإيكولوجي لحماية البيئة واستمرارية الإنتاج.
من ناحية أخرى دخلت على الخط الأحزاب اليمينية المتطرفة والشعبوية التي تضع في مقدمة مطالبها تفكيك المفوضية الأوروبية والاعتماد على القرار الوطني في استراتيجيات كل بلد أوروبي. أما الأحزاب المتطرفة فهي تطالب بالخروج من المشروع الأوروبي وتفكيكه إن لزم الأمر على غرار ما هو حاصل اليوم في صلب الأحزاب اليمينية المتطرفة في هولندا وفرنسا وألمانيا. ما يخشاه جل المزارعين هو أن تستخدم الأحزاب الشعبوية وضعهم المأساوي لخدمة مصالح حزبية ضيقة تهدف إلى التراجع عن الإجراءات الحامية للبيئة في حين تبقى الزراعة – والمزارعين – أول ضحية لأزمة الاحتباس الحراري. 

المشاركة في هذا المقال

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115