Print this page

التمويل الأخضر في تونس: معركة الاقتصاد الجديد بين مخاطر المناخ ورهان الاستثمار المستدام

أعلن البنك المركزي التونسي عن  إعداد

خارطة طريق للفترة 2026-2030 بهدف تعزيز التمويل الأخضر وإدماج المخاطر المناخية ضمن الأطر التنظيمية للقطاع المالي وبذلك تدخل مسألة الاستدامة الاقتصادية مرحلة جديدة من النقاش تتجاوز الالتزامات البيئية إلى صميم السياسات النقدية والمصرفية والاستثمارية.

الخطوة التي كشف عنها المحافظ فتحي زهير النوري خلال اختتام مشروع المساعدة الفنية المتعلق بحوكمة وإدارة المخاطر المالية المناخية تطرح سؤالاً جوهرياً حول قدرة المنظومة المالية التونسية على مواكبة التحولات المناخية وتمويل اقتصاد أقل هشاشة وأكثر تنافسية. فهل تستطيع البنوك الانتقال من مجرد تمويل الأنشطة الاقتصادية التقليدية إلى توجيه الاستثمار نحو مشاريع مستدامة؟ وما مدى قدرة تونس على تعبئة الموارد اللازمة لهذا التحول في ظل محدودية التمويلات وضغوط التوازنات المالية؟

تكتسب هذه الأسئلة أهميتها من طبيعة التحديات التي تواجه الاقتصاد التونسي حيث لم تعد التغيرات المناخية خطراً مستقبلياً بل أصبحت عاملاً مؤثراً في الإنتاج والاستثمار والاستقرار المالي. وقد نبّه البنك المركزي إلى أن الجفاف وموجات الحر والفيضانات وتآكل السواحل يمكن أن تنعكس مباشرة على قدرة المقترضين على سداد ديونهم وعلى قيمة الأصول والضمانات التي تعتمد عليها المؤسسات البنكية. وبذلك لم يعد إدماج المخاطر المناخية في القرارات المصرفية مسألة اختيارية بل أصبح ضرورة لحماية جودة المحافظ الائتمانية والحد من المخاطر التي قد تنتقل من القطاعات الاقتصادية المتضررة إلى المنظومة المالية بأكملها.

تؤكد المؤشرات حجم الرهان فوفق تقرير البنك الدولي الصادر في سبتمبر 2026 حول التحدي المائي في تونس لا تتجاوز الموارد المائية العذبة المتجددة المتاحة للفرد 380 متراً مكعباً سنوياً فيما قد يؤدي تفاقم ندرة المياه إلى تقليص الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 6.4 % بحلول 2050 وهذه المعطيات تجعل تمويل مشاريع الاقتصاد في المياه وتحلية مياه البحر وإعادة استعمال المياه المعالجة وتحديث أنظمة الري استثمارات اقتصادية ذات أولوية بالنظر إلى ارتباطها المباشر باستمرارية الإنتاج الزراعي والصناعي وحماية مواطن الشغل.

وفي قطاع الطاقة تتضح أهمية التمويل الأخضر من زاوية أخرى تتعلق بتقليص التبعية للخارج وتخفيف الضغط على الميزان التجاري. فتونس تستهدف رفع حصة الطاقات المتجددة في إنتاج الكهرباء إلى 35 % بحلول 2030 فيما تشير بيانات البنك الدولي إلى الإمكانات الكبيرة التي تتيحها الطاقة الشمسية والرياح. كما أوردت رويترز في أكتوبر 2026 أن حصة الطاقات المتجددة من إنتاج الكهرباء بلغت نحو 12 % خلال 2026 مع استهداف 16 % في 2027. ويعني ذلك أن تحقيق الأهداف المعلنة يتطلب تسريع الاستثمارات في الإنتاج والتخزين والشبكات وتوفير آليات تمويل قادرة على استقطاب رؤوس الأموال الخاصة.

لا يقتصر الرهان على البعد البيئي أو الطاقي إذ أصبحت التحولات المناخية عاملاً مؤثراً في تنافسية الصادرات التونسية خاصة مع دخول آلية تعديل الكربون على الحدود الأوروبية مرحلتها النهائية بداية 2026 فالمؤسسات المصدرة مطالبة بمراعاة البصمة الكربونية لمنتجاتها وهو ما يجعل تحديث التجهيزات الصناعية واعتماد تقنيات أقل استهلاكاً للطاقة ضرورة للحفاظ على النفاذ إلى الأسواق الخارجية.

في هذا السياق تقوم خارطة البنك المركزي على أربعة محاور تشمل تأطير إدارة المخاطر المناخية وتطوير البيانات والتقارير وإرساء أدوات وأسواق التمويل الأخضر وتعزيز التنسيق ومتابعة التنفيذ.

ان التحدي الحقيقي لا يكمن في وضع الإطار التنظيمي وحده بل في تحويله إلى قروض واستثمارات فعلية عبر تطوير السندات الخضراء والتمويلات الميسرة وتحسين تقييم المشاريع وتوفير معايير واضحة تمنع توظيف الصفة البيئية دون نتائج قابلة للقياس.

كما تبرز ضرورة ألا يظل التمويل الأخضر حكراً على المؤسسات الكبرى والمشاريع الضخمة بل أن يمتد إلى المؤسسات الصغرى والمتوسطة والفلاحين باعتبارهم من أكثر الفئات تعرضاً لتداعيات التغيرات المناخية والأقل قدرة على تحمل كلفة التحول التكنولوجي.

في النهاية لا يُقاس نجاح خارطة الطريق بعدد الاجتماعات أو النصوص التنظيمية وإنما بحجم الاستثمارات التي ستتحول إلى طاقة منتجة ومياه متاحة ومؤسسات أكثر قدرة على الصمود. ان الرهان بالنسبة إلى تونس ليس أن تجعل اقتصادها أخضر في الخطاب بل أن تمنحه القدرة على الاستمرار في بيئة تتزايد فيها كلفة التأخر ومن هنا يصبح التمويل الأخضر اختباراً لمدى قدرة السياسة المالية على استباق الأزمات وتحويل المخاطر المناخية من تهديد للنمو إلى فرصة لإعادة بناء أسس أكثر صلابة للاقتصاد.

المشاركة في هذا المقال