Print this page

معادلة اقتصادية معقدة: المؤسسات التونسية بين كلفة الإنتاج ومعضلة التمويل

لم تعد التحديات التي تواجه المؤسسة التونسية

مرتبطة فقط بقدرتها على تسويق منتجاتها أو المحافظة على حصتها في السوق بل أصبحت تتصل أساسًا بقدرتها على تحمل كلفة الإنتاج وتأمين السيولة الضرورية لاستمرار نشاطها ففي الوقت الذي تفرض فيه المنافسة الاقتصادية تحسين الإنتاجية وتحديث وسائل العمل تجد مؤسسات عديدة نفسها منشغلة بتغطية المصاريف التشغيلية ومواجهة تقلبات الأسعار واضطرابات التزود بما يجعل الانتقال من منطق المحافظة على النشاط إلى منطق الاستثمار والتوسع أكثر صعوبة.

لقد أعادت الخسائر التي تكبدتها المؤسسات بسبب انقطاعات الكهرباء خلال صائفة 2026 تسليط الضوء على هذه المعادلة حيث قدّر المعهد العربي لرؤساء المؤسسات في آخر دراسة نشرها يوم 28 أكتوبر 2026 خسائر القيمة المضافة الناتجة عن توقف النشاط خلال شهري جويلية وأوت بنحو 1.2696 مليار دينار كما أكدت 96 % من المؤسسات المستجوبة انهة تعرضت  لانقطاعات كهربائية فيما صرحت 63.5 % منها بتراجع رقم معاملاتها. ولا تكمن أهمية هذه الأرقام في حجم الخسائر وحده، بل في ما تكشفه عن هشاشة التوازن المالي للمؤسسات عندما تتعرض أنشطتها إلى اضطرابات غير متوقعة فالمؤسسة التي تتوقف عن الإنتاج لا تتوقف معها الالتزامات المالية. اذ تظل الأجور والكراء والأقساط البنكية ومصاريف الصيانة والتزود  قائمة، حتى عندما تتراجع المداخيل أو يتعطل النشاط.

في الواقع تزداد حدة هذه المفارقة لدى المؤسسات الصناعية التي تعتمد على استمرارية خطوط الإنتاج أو تلك المرتبطة بعقود تصديرية تفرض احترام آجال التسليم وقد أظهرت الدراسة نفسها أن 83 % من المؤسسات الصناعية المستجوبة سجلت تراجعًا في رقم معاملاتها، فيما واجهت مؤسسات مصدرة صعوبات في الالتزام بمواعيد التسليم  وهكذا تتحول الاضطرابات التشغيلية إلى ضغوط مالية وتجارية قد تمتد آثارها إلى علاقة المؤسسة بحرفائها ومزوديها.

ليست  انقطاعات الكهرباء  سوى أحد العوامل التي تكشف حجم الضغوط التي تواجهها المؤسسات. فارتفاع أسعار المواد الأولية والطاقة والنقل والخدمات اللوجستية يفرض على المنتجين تحمل أعباء إضافية في وقت لا تكون فيه إمكانية تعديل أسعار البيع متاحة دائمًا. فالمؤسسة التي تعمل في سوق تنافسية لا تستطيع بالضرورة تمرير كامل الزيادة في تكاليفها إلى المستهلك خاصة عندما تكون قدرتها الشرائية محدودة أو عندما تواجه منافسة من منتجات مستوردة والنتيجة هي تقلص هوامش الربح، بما يحد من الموارد الذاتية التي يمكن توجيهها إلى الاستثمار والتحديث.

وتتخذ هذه الصعوبات بعدًا أكثر تعقيدًا عندما يتعلق الأمر بالتمويل. فالمؤسسة تحتاج إلى السيولة ليس فقط لتمويل مشاريع التوسع وإنما أيضًا لتغطية حاجيات الاستغلال اليومية من اقتناء المواد الأولية إلى تسديد الأجور وتسوية مستحقات المزودين.

الحقيقة ان عمليات البيع  والاستخلاص عندما تتراجع  أو تتأخر  تصبح الحاجة إلى التمويل أكثر إلحاحًا غير أن النفاذ إلى القروض يظل مرتبطًا بشروط المؤسسات المالية وقدرة الشركات على تقديم الضمانات ومستوى مديونيتها وآفاقها التجارية وهي عوامل قد تجعل المؤسسات الصغرى والمتوسطة أكثر عرضة لضيق السيولة مقارنة بالمؤسسات الكبرى التي تمتلك موارد ذاتية وإمكانيات أوسع للتفاوض.

وتبرز هنا مفارقة أساسية في العلاقة بين التمويل والاستثمار. فالمؤسسة تحتاج إلى الاقتراض حتى تطور إنتاجها وترفع مردوديتها لكنها تحتاج في المقابل إلى وضع مالي مستقر حتى تتمكن من الحصول على التمويل وتحمل أعبائه وعندما تتراجع قدرتها على تحقيق الأرباح تصبح كلفة الاقتراض أكثر تأثيرًا في حساباتها وقد تضطر إلى تأجيل مشاريع التحديث أو الاكتفاء بالاستثمارات الضرورية لاستمرار النشاط.

تكشف نتائج دراسة المعهد العربي لرؤساء المؤسسات عن هذا التوجه إذ صرحت 51.9 % من المؤسسات المستجوبة بتأجيل مشروع استثماري عقب اضطرابات التزود بالكهرباء كما أعربت نسبة مهمة منها عن نيتها الاستثمار في تجهيزات بديلة لضمان استمرارية الطاقة، وهو ما يطرح احتمال توجيه الموارد إلى تأمين النشاط بدل توسيع القدرات الإنتاجية.

وفي مواجهة هذه الصعوبات تطرح آليات التمويل الموجهة للمؤسسات الصغرى والمتوسطة نفسها كأحد الحلول الممكنة ومن بينها القروض على الشرف التي دخلت مرحلة قبول المطالب خلال أكتوبر 2026، بسقف يصل إلى 25 ألف دينار ودون فوائض وفق الشروط المنظمة لها وتمثل هذه الآلية فرصة لتلبية بعض الحاجيات التمويلية المحدودة لكنها لا يمكن أن تعوض بمفردها حاجيات المؤسسات التي تتطلب استثمارات أكبر سواء لتجديد المعدات أو تطوير خطوط الإنتاج أو اعتماد تكنولوجيات جديدة لذلك فإن فعالية سياسات التمويل لا تقاس فقط بحجم الاعتمادات المرصودة، بل بمدى ملاءمة التمويل لحاجيات المؤسسات وبسرعة إسناده وبقدرته على إحداث أثر فعلي في الإنتاج والتشغيل.

ولا تنفصل هذه الإشكاليات عن مسألة التنافسية. فالمؤسسة التي تتحمل كلفة إنتاج مرتفعة وتواجه صعوبات في تحديث تجهيزاتها تصبح أقل قدرة على منافسة المنتجات الأجنبية سواء في السوق المحلية أو في الأسواق الخارجية. كما أن تأخر الاستثمار في التكنولوجيا والطاقة والابتكار قد يؤدي إلى اتساع الفجوة الإنتاجية بينها وبين منافسيها ومن ثم فإن دعم المؤسسة لا ينبغي أن يقتصر على مساعدتها على تجاوز الصعوبات الظرفية بل يتعين أن يشمل تحسين بيئة الإنتاج وتيسير الاستثمار وتطوير البنية التحتية والخدمات المرتبطة بالنشاط الاقتصادي.

إن التحدي المطروح اليوم لا يتعلق فقط بقدرة المؤسسات التونسية على تحمل ارتفاع التكاليف أو الحصول على قروض إضافية بل بمدى قدرتها على الخروج من دائرة التمويل الموجه إلى تغطية الأعباء اليومية نحو تمويل منتج يرفع الإنتاجية ويخلق قيمة مضافة. ان المؤسسة التي تنفق مواردها باستمرار على معالجة الاختلالات التشغيلية لن تجد بالضرورة ما يكفي لتجديد معداتها أو التوسع أو خلق مواطن شغل جديدة.

بين ضرورة الإنتاج وحاجة الاستثمار تبقى المعادلة الاقتصادية الحقيقية هي توفير شروط تسمح للمؤسسة بأن تعمل وتستثمر في الوقت نفسه فاقتصاد المؤسسات لا يقوى بمجرد استمرار الشركات في فتح أبوابها وإنما بقدرتها على تطوير ما تنتجه وتحسين ما توفره من قيمة وتحويل نشاطها إلى مصدر مستدام للنمو والتشغيل.

 

 

المشاركة في هذا المقال