Print this page

من مأزق نتنياهو في ''الكنيست'' إلى حسابات ترامب في التجديد النصفي.. كيف تتقاطع الانتخابات مع حسابات اليوم التالي والحرب ضد إيران ؟

تتقاطع حسابات تشكيل حكومة إسرائيلية مع اقتراب

انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، في مرحلة تتشابك فيها أزمة القيادة في تل أبيب مع مستقبل الحرب مع إيران وأمن مضيق هرمز. وبين تعثر المسار السياسي واستمرار التهديدات العسكرية، يبقى احتمال التصعيد حاضرا، فيما تواجه جهود الوساطة اختبارا صعبا لتجنب اتساع المواجهة في المنطقة.

لم تنته المعركة السياسية في ''إسرائيل'' في وقت تستمر فيه عملية فرز الأصوات في انتخابات الكنيست، بل دخلت مرحلة أكثر تعقيدا عنوانها القدرة على تشكيل حكومة جديدة وتحديد ملامح المرحلة المقبلة في وقت تتقارب فيه الارقام  . فنتائج الفرز الأولية لم تمنح أيّا من المعسكرين أغلبية واضحة، ما يضع رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو وخصومه أمام مفاوضات شاقة لتجميع الأصوات اللازمة لتشكيل ائتلاف حاكم، في وقت تتداخل فيه الحسابات الحزبية مع تداعيات الحروب التي شهدتها المنطقة منذ هجوم السابع من أكتوبر 2023.

وأظهرت النتائج الجزئية المنشورة يومأمس تقاربا بين المعسكرين، مع تقدم كتلة نتنياهو في بعض مراحل الفرز دون بلوغ عتبة الأغلبية المطلوبة، والمحددة بـ61 مقعدا من أصل 120 في الكنيست. كما سجلت الأحزاب العربية حضورا انتخابيا لافتا، ما عزز موقعها في الحسابات البرلمانية، وإن لم يحسم إمكانية مشاركتها في تشكيل الحكومة المقبلة. وتظل هذه الأرقام مؤقتة إلى حين اكتمال الفرز وإعلان النتائج الرسمية.

ويرى مراقبون أن المعضلة التي تواجه نتنياهو لا تتعلق فقط بعدد المقاعد التي حصل عليها معسكره، بل بقدرته على تحويل هذا الرصيد إلى ائتلاف متماسك يستطيع الصمود أمام الخلافات الداخلية. فالتقدم الانتخابي، حتى إن تأكد، لا يعني بالضرورة ضمان الحكم، خصوصا في ظل التباينات بين القوى اليمينية والدينية، من جهة، والمعارضة التي تجمع أحزابا ذات توجهات سياسية وأيديولوجية مختلفة، من جهة أخرى.

حسابات الحرب تتجاوز الحدود

لا تنفصل أزمة تشكيل الحكومة الإسرائيلية عن الاستحقاق الأمريكي المرتقب في الثالث من نوفمبر، إذ تتزامن الانتخابات الإسرائيلية مع انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، في وقت لا تزال فيه الحرب مع إيران تلقي بظلالها على السياسة الخارجية الأمريكية وأسعار الطاقة وأولويات الناخبين.

وقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في وقت سابق أنه لا يعتزم شن هجوم على إيران قبل الانتخابات النصفية، مشيرا إلى وجود محادثات مع طهران بشأن إنهاء الحرب. لكن هذا الموقف لا يعني استبعاد التصعيد لاحقا، خصوصا في ظل استمرار الخلافات حول البرنامج النووي الإيراني وأمن الملاحة في مضيق هرمز وشروط إنهاء المواجهة. وتبقى المواقف المعلنة قابلة للتغير تبعا لتطورات الميدان والمفاوضات والحسابات السياسية الداخلية في واشنطن.

ويرى مراقبون أن نتائج الانتخابات الأمريكية قد تؤثر في هامش المناورة المتاح أمام الإدارة، لا سيما إذا تغيرت موازين القوى داخل الكونغرس. فالحرب التي تطول وتنعكس على أسعار الوقود وتكاليف المعيشة يمكن أن تزيد الضغوط الداخلية على البيت الأبيض، وتدفعه إلى البحث عن مخرج دبلوماسي، أو إلى التشدد في التفاوض لإظهار أن واشنطن حققت أهدافها.

ومع ذلك، لا ينبغي التعامل مع الانتخابات النصفية باعتبارها العامل الوحيد الذي سيحدد قرار الحرب أو السلام. فالموقف الأمريكي يرتبط أيضا بتقديرات المؤسسة العسكرية، وأمن القوات والمصالح الأمريكية في المنطقة، والعلاقة مع الحلفاء، ومدى استعداد إيران لتقديم تنازلات بشأن الملفات التي تعتبرها واشنطن أساسية.

وفي هذا السياق، أثارت زيارة وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث إلى إسرائيل في أكتوبر تساؤلات بشأن التنسيق العسكري بين الطرفين، خصوصا أنها جاءت قبل الانتخابات الإسرائيلية وفي ظل نقاشات عن احتمال استئناف العمليات العسكرية ضد إيران. لكن الزيارة وحدها لا تكفي للاستنتاج بأن قرارا نهائيا باستئناف الحرب قد اتُّخذ، إذ تظل دلالتها مرتبطة بما يعلن عن أهدافها ونتائجها الفعلية.

حدود التباين

ويمثل مستقبل العلاقة مع إيران أحد الملفات التي تكشف حدود التباين بين نتنياهو وخصومه. فالمعسكران يشتركان في اعتبار البرنامج النووي الإيراني تحديا أمنيا، لكنهما قد يختلفان في تقدير الدور الذي ينبغي لإسرائيل أن تؤديه، وفي حدود الاعتماد على الولايات المتحدة، وفي الكلفة السياسية والعسكرية لاستمرار المواجهة.

ويرى خبراء أن نتنياهو يربط الضغط العسكري على إيران بأهداف تتجاوز إضعاف قدراتها النووية، إذ يطرح المواجهة ضمن تصور أوسع لإعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية وتقليص نفوذ طهران. أما آيزنكوت، الذي ينتمي إلى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، فيركز على الاعتبارات الأمنية والعسكرية، وقد يختلف مع نتنياهو في مدى جدوى تحميل إسرائيل مسؤولية تغيير النظام الإيراني، من دون أن يعني ذلك تخليه عن أهداف منع إيران من امتلاك سلاح نووي أو تقليص قدراتها العسكرية.

ومن هنا، فإن أي تغيير محتمل في قيادة حكومة الاحتلال الإسرائيلية قد ينعكس على أسلوب إدارة الحرب، وعلى مستوى التنسيق مع واشنطن، وعلى شروط استخدام القوة، لكنه يضمن بما يدع مجالا للشك اشتراكا في الأهداف الإستراتيجية الإسرائيلية تجاه إيران وفيما يتعلق بعقيدة الاحتلال والحرب.

طهران تتمسك بشروطها

في المقابل، تتمسك إيران بمواقفها المعلنة بشأن شروط إنهاء الحرب، وترفض تقديم تنازلات تعتبرها مساسا بسيادتها أو بقدراتها الإستراتيجية. وتؤكد التصريحات الإيرانية الاستعداد للرد على أي هجوم جديد، في حين تواصل واشنطن وتل أبيب التشديد على منع طهران من امتلاك سلاح نووي وتقليص التهديدات التي تنسبانها إلى قدراتها العسكرية.

وتكشف هذه المواقف عن فجوة واسعة بين الطرفين، إذ لا يقتصر الخلاف على البرنامج النووي، بل يمتد إلى أمن الملاحة في الخليج، والعقوبات، والوجود العسكري الأمريكي، ودور إيران الإقليمي، وشكل الترتيبات الأمنية التي يمكن أن تنهي الحرب وتمنع تجددها.

ويرى متابعون أنّ الخطاب الإيراني الذي يؤكد الاستعداد للمواجهة يستهدف إظهار القدرة على الردع ومنع الخصوم من الاعتقاد بأن الضغوط العسكرية والاقتصادية ستدفع طهران إلى الاستسلام. لكن التهديدات المتبادلة لا تكشف وحدها مدى استعداد أي طرف للذهاب إلى حرب مفتوحة، كما أن إعلان الاستعداد العسكري لا يلغي وجود حسابات تتصل بالكلفة الاقتصادية والبنية التحتية وأمن السكان واستقرار الدولة.

وفي المقابل، تواجه الإدارة الأمريكية معضلة تتمثل في كيفية الجمع بين الضغط على إيران وتجنب حرب جديدة يصعب تحديد سقفها الزمني والجغرافي. فالتصعيد قد يفرض واقعا عسكريا مختلفا، لكنه يحمل مخاطر الرد على القواعد والمصالح الأمريكية، وتهديد الملاحة، وارتفاع أسعار الطاقة، واحتمال اتساع المواجهة إلى دول أخرى.

اليوم التالي

بين مأزق تشكيل حكومة جديدة دخل كيان الاحتلال الإسرائيلي وضغوط الانتخابات الأمريكية، تبدو المنطقة أمام مرحلة تتحدد ملامحها وفق تفاعل مسارين: الأول سياسي يتعلق بمستقبل القيادة في تل أبيب وموازين القوى في واشنطن، والثاني عسكري ودبلوماسي يتصل بقدرة الأطراف على تثبيت الهدنة وتحويلها إلى اتفاق أكثر استدامة.

ويحذر خبراء من أن تعثر نتنياهو في تشكيل الحكومة، أو شعوره بأن مستقبله السياسي بات مهددا، قد يزيد من حدة الخطاب الأمني ويضع القرارات العسكرية تحت ضغط الحسابات الداخلية. غير أن الربط بين المأزق السياسي وقرار شن هجوم جديد يظل تقديرا يحتاج إلى قرائن واضحة، إذ تتداخل فيه اعتبارات الردع والقدرات العسكرية والموقف الأمريكي ومخاطر الرد الإيراني.

وفي المقابل، فإن نجاح المعارضة في تشكيل حكومة جديدة لن يكون كافيا بمفرده لإنهاء المواجهة، ما لم يقترن بمراجعة عملية لأهداف الحرب وشروط التفاوض. كما أن نتائج الانتخابات الأمريكية، مهما كانت، لن تلغي المصالح الإستراتيجية التي تدفع واشنطن إلى منع انتشار السلاح النووي وحماية قواتها ومصالحها، لكنها قد تؤثر في الأدوات التي تستخدمها لتحقيق هذه الأهداف.

في المحصلة، لا تقتصر معركة ''اليوم التالي'' على هوية رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلية أو نتائج الانتخابات الأمريكية، بل تتصل بمستقبل التوازنات الأمنية في الشرق الأوسط، وبقدرة القوى الإقليمية والدولية على منع تحول المنافسة السياسية إلى شرارة لحرب أوسع.

المشاركة في هذا المقال