تظاهرة "جو تونس 2026" تستضيف الكاتب الفلسطيني محمد الكرد: "الضحايا المثاليون"... من يملك الحق والحقيقة في رواية المأساة الفلسطينية؟

لم تعد المعركة على صورة الفلسطيني أقلّ وحشية

من المعركة على أرضه. فبينما تتحول الأرواح إلى مجرد أرقام  في نشرات الأخبار، وتُنتزع من أصحاب الحق  القدرة على الكلام، يصبح السؤال عمّن يملك حقّ رواية المأساة جزءا  من الصراع على الحقيقة نفسها. ضمن حوار فكري حول سلطة الصورة وأهمية الأدلة في تشكيل الحقيقة، استضاف بينالي الفن المعاصر «جو تونس2026» ضمن برنامج "لقاءات جو"، الكاتب والشاعر والصحفي الفلسطيني محمد الكرد إلى جانب الباحث والناقد أنطوني داوني  في حوار بعنوان "بنية القرائن".

احتضنت قاعة الفن الرابع صباح أمس الاثنين 26 أكتوبر، لقاء مع الكاتب محمد الكرد للحديث عن كتابه «الضحايا المثاليون»، ضمن حوار يتقاطع فيه السياسي بالإنساني، والإعلامي بالمعرفي، في محاولة لفهم الآليات التي يُجرَّد بها الفلسطيني من إنسانيته حتى وهو يواجه الموت والدمار. وقد حاز الكتاب في نسخته الإنجليزية جائزة كتاب فلسطين لعام 2025.

من نزع الإنسانية إلى صناعة العدو

خلال اللقاء، تحدّث محمد الكرد عن خياراته في الكتابة وعن الجمهور الذي توجّه إليه من خلال "الضحايا المثاليون".  وقد أوضح أنّ كتابه لا يخاطب الفلسطينيين وحدهم - وإن كانوا في صلب اهتمامه-  بل يتوجّه أيضا إلى وسائل الإعلام والرأي العام الغربي، حيث تتشكّل صور الفلسطينيين وتُعاد صياغة سرديتهم. فالمسألة لا تتعلق بمجرد نقل صور الضحايا، إنما بالطريقة التي تُقدَّم بها هذه الصور وبالأطر السياسية والثقافية التي تحدّد من يُرى بوصفه إنسانا يستحق التعاطف، ومن يُدفع خارج دائرة الاعتراف.

توقّف الحوار عند مفهوم نزع الصفة الإنسانية عن الفلسطينيين، بوصفه أحد المداخل الأساسية لفهم الخطابات التي تحوّل شعبا كاملا إلى صورة نمطية، وتفصل معاناته عن سياقها التاريخي والسياسي. واستعاد محمد الكرد التحولات التي عرفتها صورة الفلسطيني عبر مراحل مختلفة، من الفدائي في سبعينيات القرن الماضي إلى الصورة التي طغت عليها مفردات الإرهابي و مصطلحات الخطر والتهديد.

ولا تتوقف خطورة هذا التحول عند حدود اللغة، إذ إنّ الكلمات والصور تسهم في رسم حدود التعاطف العام، وفي تحديد من تُسمع شهادته ومن تُستبعد روايته. وحين يُقدَّم الفلسطيني باعتباره تهديدا مجرّدا، تتراجع أمام هذه الصورة تفاصيل حياته اليومية، وحقه في الأمان والمستقبل، وحماية أطفاله ونسائه وشيوخه، فتصبح المأساة الإنسانية قابلة للتهميش أو التبرير.

الأطفال.. الوجه الذي لا ينبغي أن يغيب

احتلّ الأطفال جانبا مؤثرا في حديث محمد الكرد  عن "الضحايا المثاليون" ، باعتبارهم من أكثر الفئات حضورا  في الصور التي تنقل آثار الحرب إلى العالم. . فخلف كل صورة حياة لها تفاصيلها وأحلامها، وطفولة كان يفترض أن تتسع للعب والتعلّم واكتشاف العالم، لا أن تُحاصر بالخوف والفقدان. ومن هنا، تبدو استعادة الإنسان داخل الصورة شرطا أساسيا لمواجهة محاولات نزع إنسانيته.

كما أثار اللقاء مسألة الصمت الذي يحيط بالضحايا، وما يرافقه من انتقائية في التعاطف والتغطية الإعلامية. فليست كل المآسي حاضرة بالقدر نفسه في المجال العام، وليست كل الشهادات قادرة على بلوغ الجمهور ذاته. وبين الصورة التي تصل والصورة التي تُستبعد، تتشكل فجوات في المعرفة وتُرسم حدود ما يُسمح للعالم بأن يراه.

من التعاطف إلى الفعل

لم يقف النقاش عند حدود تشخيص الخطاب الإعلامي، بل امتدّ إلى السؤال عن أثر الصورة في المتلقي. فماذا يفعل الإنسان بكل ما يراه من ألم؟ وهل يكفي التعاطف إذا ظلّ محصورا في لحظة انفعال عابرة؟ وقد أكد الكاتب والصحفي محمد  الكرد أنّ مسؤولية الإعلام والكتابة تظل مرتبطة بالقدرة على فتح مسافة نقدية بين المشاهد وما يُعرض عليه بما يسمح بفهم السياقات ومساءلة الروايات الجاهزة وعدم الاكتفاء بالاستهلاك البصري للمأساة.

وتتصل هذه المسألة أيضا بالدبلوماسية والخطاب السياسي، حيث لا تتشكل صورة الفلسطيني بمعزل عن موازين القوة، وعن الروايات التي تسعى إلى تثبيت شرعيتها في الوعي العام حتى وإن جانبت الحقيقة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115