أو ألاّ يدر عليه كتابه أموالا طائلة،أو ألاّ يصبح شهيرا وفي المعارض مطلوبا مرغوبا... إنما هو أن يجلس يوم التوقيع وحيدا... وحيدا.
في حفل توقيع بالجزائر - في الأيام الأخيرة - حدث ما لم تتوقّعه الدعوات ولا الكتب ولا صاحب الكتاب نفسه. فقد حضر الكاتب وبين يديه نسخه ... وغاب القرّاء!
وصل الكاتب الجزائري "حامد ياسين" في الموعد وربما قبل التوقيت بكثير. ربما لم يجد النوم طريقا إلى جفونه، وهو يحلم بالموعد المنتظر، ويتخيّل حرارة اللقاء بينه وبين القرّاء. ربما يستحضر "أم كلثوم" تغني للشاعر السوداني الهادي آدم : "أغدا ألقاك يا خوف فؤادي من غدٍ...يا لشوقي واحتراقي في انتظار الموعد".
حضر الكاتب أنيقا كما يليق بروايته "سفيرة في الريف"، وكما يليق بأشهر وأيام وسنوات قضاها في مصارعة الكلمات وترويض الصفحات. رتّب نسخ كتابه بعناية، وضع قلمه أمامه، وسوّى ياقة قميصه للمرة العاشرة. وجلس ينتظر زحف القرّاء. فإذا بالقاعة أوسع من الحضور، والكراسي أكثر من البشر، والصمت أبلغ من كل تقديم.
في الجزائر بقيت رواية "سفيرة في الريف" يتيمة، بلا إمارة قرّاء ولا سفارة أحبّاء. وبقيت مآقي صاحبها الباكية تنتحب عصر التفاهة. هو هذا الزمن اللعين، الذي يلهث فيه المئات وراء "فقاقيع" وتفاهات شبكات التواصل الاجتماعي ويديرون الظهر لغذاء الفكر والروح. وبعض الدموع لا تجفّ وإن جفّت العَبرات، فللبكاء ذاكرة أطول منّا.
وفي تونس، وبمناسبة المعرض الوطني للكتاب التونسي الذي يتواصل إلى 1 نوفمبر 2026، لا تتركوا الكاتب وحيدا مع كتبه يحرّك بين أنامله قلمه، يهيئه لتحبير كلمات عذبة في الصفحة الأولى... في صفحة الإهداء إلى القرّاء !
تخيّلوا، كم تمرّ الدقائق ثقيلة كالوحدة، متوجسة كالخوف، مخيفة كالحرب في انتظار قراء قد يأتون، وأصدقاء قد يلتحقون، وعابرون قد يتوقفون!
في "انتظار ڤودو"، قد يعدّ الكاتب عدد البلاطات في الأرضية، ويحفظ شكل المقاعد، ويخطر له أن يكتب دراسة مطوّلة عن سيكولوجيا الكرسيّ الفارغ ...
وكما قال محمود درويش "في الانتظار، يُصيبني هوس برصد الاحتمالات الكثيرة"، فإنّ كل كاتب يقف وحيدا أمام كتبه يخترع ألف رُبّما ورُبّما ورُبّما.. ولمّا يطول الانتظار ويقصر حبل الصبر، يحدّث الكاتب نفسه: لعلّهم قرأوا الكتاب قبل مجيئهم، فاستغنوا عن التوقيع! ولعلّهم يخشون الازدحام، فآثروا ألّا يأتوا! ولعلّ القراءة صارت عند القوم أمرا ثانويا في زحمة الانشغالات اليومية!
قد يتساءل الكاتب وعلى طاولته قلم ينتظر وكتب لم تفتح أغلفتها بعد: أهذا حفل توقيع أم امتحان في الصبر؟
يا للمفارقة! قد يقضي الكاتب أعواما في الكتابة، ليختزل الحياة في مئات الصفحات، ليفتح أبوابا موصدة، ليشاكس الأفكار السائدة.. ثم يعجز عن استقطاب بضعة أشخاص إلى موعد خُصّص للاحتفاء بما كَتب، بما أعطى من الروح والسهر وهب.
ومن عجائب الدهر وسخرية الخوارزميات، أن الكاتب حين ينشر موعد التقديم ومكانه تنهال عليه كالمطر التباريك والتهاني ويغرق صفحته عطر الكلمات و"ألف مبروك ومبروك"... حتى يظن أنّ الجحافل ستتوافد على حفل التوقيع فرادى وجماعات حتى يضيق المكان ويعجز الكاتب عن رفع رأسه ما بين توقيع وتوقيع.. ولكن هيهات، إنها خيالات في ذهن الكاتب لا غير، ومجرد تهيؤات وأضغاث أحلام!
فلماذا نحبّ الكاتب ما دام بعيدا، ونحتفي بالثقافة ما دامت في الخطب، ونطالب بتشجيع المطالعة شرط ألّا تتطلّب منّا مغادرة الأريكة!
يا أهل الثقافة، لا تتركوا الكاتب وحيدا في حضرة كتبه! بمناسبة المعرض الوطني للكتاب التونسي وكل المعارض والمناسبات، احضروا حفلات التوقيع، اشتروا الكتب إن استطعتم، استمعوا إلى أصحابها، ناقشوهم، خالفوهم، وامنحوهم فرصة اللقاء الحقيقي بقرّائهم. فليس أشدّ قهرا على الكاتب من أن يكتب ليخاطب العالم، ثم يجلس يوم توقيعه يخاطب الكراسي.
إنّ الكاتب لا يحتاج إلى جمهور يأتيه بدافع الشفقة، ولا إلى تصفيق مستأجر، ولا إلى صور توهمنا بأنّ الكتاب صار حدثا. وكلّنا نحتاج إلى علاقة حقيقية بين الكاتب والقارئ، تبدأ من المدرسة والمكتبة والإعلام، وتمرّ ببرامج ثقافية تعرف كيف تقدّم الكتاب بوصفه مغامرة في الفكر والمتعة، لا واجبا دراسيا ثقيلا.
لا تتركوا الكاتب وحيدا مع كتبه.. وقلمه! احضروا حفلات التوقيع، فرُبّ كتاب تلتقونه صدفة يغيّر شيئا فيكم إلى الأبد.
تخيّلوا قسوة الموقف عند نهاية الحفل... أو الذي كان مفروضا أن يكون حفلا حافلا بالحضور، والكاتب يجمع كتبه، ويضع قلمه في جيبه، ثم يلتفت إلى القاعة الفارغة قائلا بمرارة : شكرا لكم على ... عدم الحضور !