Print this page

في ندوة توقيع كتاب " السفير محمد جنيفان مسار وتحديات ومواقف": ذاكرة الدبلوماسية التونسية في زمن بناء الدولة والعواصم المشتعلة

في محطة جديدة لتوثيق الذاكرة الدبلوماسية والسياسية

لتونس، التأمت الأسرة الدبلوماسية التونسية السبت الماضي بأجيالها المتعددة للاحتفاء بالسفير المخضرم محمد جنيفان الذي يعد من أبرز الوجوه الدبلوماسية التي طبعت ورسمت ملامح الدبلوماسية التونسية لسنين طويلة.  ومثل انتقال جنيفان من النشاط الحزبي الى عالم الدبلوماسية محطة هامة في مسيرته التي كرسها طوال أربعين سنة من العمل الدبلوماسي للدفاع عن مصالح تونس والحفاظ على مبادئ الاعتدال والتوازن في أصعب الظروف الصعبة في تاريخ المنطقة والعالم. فوظيفة الدبلوماسي تعد من أصعب وأدق المهن ، لكن "الإخلاص في العمل والقول" كان السلاح الأبرز بيد السفير المخضرم جنيفان للنأي بتونس عن أعاصير الأزمات الخارجية التي كانت تهزّ العالم العربي والشرق الأوسط .

والتأمت الندوة لتقديم الإصدار الجديد المعنون "السفير محمد جنيفان.. مسار وتجليات ومواقف"   بمبادرة من الجمعية التونسية لقدماء السفراء والقناصلة العامين ووداية قدماء المرحلة العليا للمدرسة الوطنية للإدارة ، بحضور وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج،  محمد علي  النفطي ، وكاتب الدولة لدى وزير الشؤون الخارجية، محمد بن عياد، إلى جانب عدد من السفراء والدبلوماسيين والوجوه الفكرية.

ووجه خلال الندوة جنيفان رسائل هامة للدبلوماسيين الشبّان من سفير عايش أخطر وأصعب الظروف وتمكن من الخروج بتونس من كل هذه التحولات والبراكين المتفجرة بصورة ناصعة حافظت فيها تونس على حنكتها وهدوئها واستقلاليتها ومصالحها. طبعا لم يكن الطريق أمام جنيفان -الذي يعد من رجالات وبناة الدولة التونسية ،  سهلا بل واجهته تحديات عديدة سواء في الداخل السياسي التونسي أو في الخارج.  وكان في كل مرة يخرج منتصرا بفضل ما يتمتع به من شخصية خاصة وفطنة يحتاجها اليوم الجيل الجديد من الدبلوماسيين .

ويأتي هذا المؤلف في 340 صفحة موزعة على تسعة أجزاء، وهو يعتبر تتويجا لجهد توثيقي استند إلى جلسات تسجيل حوارية امتدت لنحو 12 ساعة وعقدت في مقر الجمعية التونسية لقدماء السفراء العامين ،ليكون مرجعا حيا يروي سيرة واحد من أبرز رواد الدبلوماسية التونسية وبناة دولة الاستقلال.

أهم المحطات الدبلوماسية

وخلال الندوة استحضر وزير الشؤون الخارجية محمد علي النفطي  محطات مضيئة من مسار السياسة الخارجية للبلاد. بدءا بالفترة الأولى وهي فترة ما قبل الثمانينيات والتي انطلقت مع جيل المناضلين الأوائل للتعريف بالقضية التونسية عالميا من مصر إلى الولايات المتحدة ومقر الأمم المتحدة. والفترة الثانية المتعلقة باستكمال مقومات السيادة الوطنية وبناء الدولة الحديثة، والتي كان لرجالات الدبلوماسية الأكفاء دور محوري فيها.

إضافة الى  الفترة الحالية والتي تركز على تحديات الدبلوماسية الاقتصادية والأمنية بكل رهاناتها .

كما نوه الوزير بجهود جمعية قدماء السفراء في حفظ الذاكرة الوطنية وتكريم رموز الدبلوماسية وفي مقدمتهم السفير محمد جنيفان، معتبرا أن هذه المؤلفات تشكل جسرا تواصليا بين أجيال الدبلوماسيين التونسيين ومدرسة تونس العريقة في الحكمة والاعتِدال.

من الحركة الوطنية إلى مدرسة بورقيبة

يعكس الكتاب مسيرة رجل جمع بين النضال الوطني المبكر -طالبا ومسؤولا حزبيا-، والعمل في سلك التربية والتعليم، وصولا إلى صفوة الدبلوماسية التونسية. وفي هذا الكتاب يستعرض محمد جنيفان بصدق وعفوية دقيقة تفاصيل عمله المباشر مع الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة، وتحديدا منذ تسلمه أوراق اعتماده "سفيرا في العراق ثم لاحقا سفيرا فوق العادة ومفوضا للجمهورية التونسية لدى الجمهورية اللبنانية" في 5 سبتمبر 1980 بقصر السعادة بالمرسي، بحضور وزير الخارجية آنذاك حسان بلخوجة.

وقد أضاء الكتاب على جانب من المناخ السياسي الداخلي في تونس آنذاك، متطرقا بذكاء إلى التجاذبات والديناميكيات السياسية بين أجنحة الحكم في تلك المرحلة، لاسيما العلاقة والمقارنات السياسية بين شخصيات وازنة مثل الهادي نويرة وأحمد المستيري،  حيث جسّد الرجلان تيارين متنافسين داخل نظام الرئيس الحبيب بورقيبة حول صياغة مستقبل الدولة التونسية في السبعينات . ويروي الكتاب كيف تعامل الدبلوماسي المخضرم محمد جنيفان مع هذه التوازنات بروح الوطنية الحقة وحكمة رجل الدولة.

تجربة العراق ولبنان

تأخذنا صفحات الكتاب في رحلة عبر عواصم عربية عديدة تولى فيها السفير جنيفان مهامه من العراق ولبنان وليبيا والسعودية إلى اليمن الجنوبي والبحرين وسوريا ومصر، فضلا عن الإدارة المركزية مديرا للشؤون السياسية للعالم العربي . ومن أبرز المحطات التي توقف عندها الكتاب مطولا هي تجربته في العراق  . حيث توثق الذاكرة لقاءاته ومحطات عمله في بغداد، وتجربته في التعامل مع قيادات حزب البعث ونظامه السياسي الحاكم وسط تعقيدات المشهد الإقليمي في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.

 اما في لبنان المشتعل الذي كان يعيش آنذاك أصعب محطات الحرب الأهلية،  عاصر السفير جنيفان إرهاصات الأزمة اللبنانية موثقا لحظات دقيقة من تنقلاته وسط العاصمة بيروت الملتهبة، ولقاءاته مع رموز المشهد اللبناني مثل رئيس الحكومة اللبناني سليم الحص وغيره وكذلك علاقته مع قيادات الصف الأول الفلسطينية المقيمة آنذاك في لبنان خاصة أبو اياد والذي كان يرتبط بعلاقة صداقة وطيدة مع القيادات التونسية ومع الزعيم الحبيب بورقيبة وزوجته وسيلة بورقيبة.

لقد أظهر الكتاب براعة السفير جنيفان في تطبيق مبادئ الدبلوماسية التونسية الأصيلة أثناء مهامه الشائكة والمتعددة، فقد حرص على الحفاظ على خيوط التواصل والهدوء دون التورط في ألغام الصراع الطائفي أو الانحياز لمحور على حساب آخر، نائيا بالبعثة التونسية عن مستنقع التجاذبات الإقليمية، ومكرسا صورة تونس كصوت للحكمة، والاعتدال، والحلول السلمية.

شهادات حية

تميز حفل تقديم الكتاب بفيض من الذكريات الطريفة والعميقة التي رواها السفير محمد جنيفان بروح الفكاهة والتبصر، مما أعاد الحاضرين إلى كواليس العمل الدبلوماسي الحقيقي. وفي هذا السياق، اعتبر الحاضرون ان هذا العمل التوثيقي، نافذة لا تعوض على تاريخ السياسة الخارجية للبلاد وتجارب رجالها الأكفاء الذين دافعوا باستماتة عن مصالح تونس وحملوا رايتها في أعتى الظروف.

وفي الحقيقة فان كتاب "السفير محمد جنيفان.. مسار وتجليات ومواقف" لا يمثل فقط سردا لسيرة ذاتية لهذا المناضل الدبلوماسي البارز بل هو سفر في ذاكرة الدولة التونسية الحديثة وعودة بالذاكرة الى أهم  المحطات في تاريخ تونس والمنطقة . ولعل الأهمية في هذه الرحلة الفكرية التي يتيحها لنا الكتاب هو أخذ العبر من دروس الماضي والاستلهام من بناة الدولة الوطنية التونسية وبناة دبلوماسيتها  في كيفية التعامل مع الأزمات الراهنة التي تشهدها المنطقة بروح الحنكة والحكمة .  والدرس الأبلغ  والأهم الذي يقدمه كتاب جنيفان للأجيال الجديدة من الدبلوماسيين التونسيين يكمن في كيفية الجمع بين صلابة المبدأ الوطني، ومرونة التكتيك الدبلوماسي، والقدرة على صناعة السلام والحفاظ على الاعتدال واستقلالية القرار التونسي السيادي في أشد المراحل تعقيدا وصعوبة داخليا وخارجيا.

المشاركة في هذا المقال