عبد الحليم حافظ : "جلست والخوف في عينيها... تتأمل فنجاني المقلوب..." ولعلّ هذه الصورة تستعيد نفسها اليوم، ونحن نودّع آمال البكوش التي جلست بدورها في دور "جنّات العرّافة" في السلسلة الشهيرة "شوفلي حل"، تقرأ الفناجين وتنسج من المجهول حكايات تضحكنا وتسلّينا، وتبّشر بتحقّق أمنيات معلقة في رهن إشارتين أو يومين أو شهرين.. وقد ينقضي العمر ولا تأتي !
بين قارئة الفنجان التي خلّدتها الأغنية وجنّات العرّافة التي أبدعتها آمال البكوش، خيط رفيع من الفضول. فكلتاهما تنحني بعينيها فوق الفنجان تفتيشا عن المخبأ من الأخبار وصندوق الأسرار، وكلتاهما تمنح الغيب وجها وصوتا، وكلتاهما تبيع الأحلام والأوهام. والفنانة آمال البكوش في دور"جنّات" كان لحضورها رائحة القهوة ومذاقها في وجدان التونسيين، بكل تعابيرها وحركاتها وعفويتها ... وحتى حرصها الشديد على المال، وكأنها هاربة من صفحات كتاب "البخلاء" للجاحظ.
وقد امتلكت آمال البكوش تلك الموهبة النادرة التي تجعل الممثل محبوبا من الناس لوجه الله، وبسيطا دون ابتذال، وطريفا دون افتعال، وصادقا دون تكلف ... كانت في أدائها تجمع بين ألفة الأحياء الشعبية وشيء من مكرها اللطيف وبعض من مسرح مرتجل لا يفصل بين الشخصية والممثل وكثيرا ما خيّل إلينا أنّ "جنّات العرافة" لم يكتبها السيناريست حاتم بالحاج على الورق، ولم يرشدها المخرج صلاح الدين الصيد إلى الدور، إنما تسللت إلى الشاشة من أزقة تونسية أصيلة، ومن "لمّة "عائلية دافئة، ومن عمارة تسبق أسرار سكانها أبوابها ... ثم جلست أمامنا ومعنا وبجانبنا، لتحدثنا عنها وعنّا وعنهم !
لكن المفارقة أنّ "جنّات العرافة" التي اعتادت أن تفتح باب الغيب في فناجين الآخرين، لم يكن في وسعها أن تقرأ نبوءة الرحيل.
بالأمس 20 أكتوبر 2026، ودّعت آمال البكوش الحياة ، لتبقى "جنّات" جالسة في ركن من الذاكرة تتأمل في فنجانها المقلوب، فيما نستعيد نحن مشاهدها وأدوارها وحواراتها... فكيف يرحل الممثل وتبقى شخصياته حيّة؟ وكيف يستطيع المبدعون حين يرحلون مصافحتنا عند أبواب المسارح أو على عتبات الشاشات أو حتى على قارعة الطرقات؟ رحلت آمال البكوش، وبقيت جنّات العرّافة. ولعلّها، لو قلبت فنجانها هذه المرّة، لقرأت فيه أسطورة الفن الذي ينتصر على النسيان.
في شخصية جنّات، تجاوزت آمال البكوش أداء دور العرّافة بكثير من الإقناع والإبداع، لتتقمص الدور بصدق كبير في سرّ لا تعلمه إلا هي في ترك الأثر، هو أثر لا يُمحى ولا يزول. هكذا صارت جنّات، في ذاكرة جمهور «شوفلي حل» امرأة نعرفها وننتظر إطلالتها ونستعيد عباراتها وملامحها بل صارت عندنا مضرب مثل في الشح والبخل، والاقتصاد في الأكل بالاكتفاء بطبق "الشكشوشة" بالرغم من توفر النعم والخيرات.
قبل أن تدخل البيوت عبر الشاشة، كانت ابنة باب سويقة - المولودة في 14 مارس 1949- والمنتمية إلى عائلة فنية، قد شقت طريقها إلى التمثيل من بوابة المسرح المدرسي. نالت جائزة الزعيم الحبيب بورقيبة بعد حصولها على المرتبة الأولى في دفعتها، ثم اتخذت قرارا شجاعا وحاسما في ترك عملها في قطاع التمريض والالتحاق بفرقة الكاف للمسرح. فبعد وفاة أحد المرضى وكان شابا وسيما في مقتبل العمر، تأثرت حد الوجع والبكاء الهستيري، فنصحها أحد الأطباء بممارسة فن رقيق يشبها، وهكذا صارت الممرضة ممثلة. ومن التمريض إلى المسرح، اختارت آمال البكوش أن تعالج روح الإنسان لا وجعه، تلك المنطقة التي لا تصل إليها الأدوية، ولا تداويها العقاقير ... لكن قد تطبّب النفوس ضحكة من القلب أو لمسة فن.
سواء على الخشبة، أوفي الدراما التلفزية والإذاعية، توزّعت أدوارها وتنوّعت، من «الدوّار» إلى «الخطاب على الباب» و«قمرة سيدي محروس» و«حسابات وعقابات»، وغيرها من الأعمال التي صنعت ملامح من الذاكرة الدرامية التونسية. وقد اشتهرت بالعفوية التي ميّزت أداءها في نحت لملامح ممثلة تعرف كيف تذيب الحد الفاصل بين الواقع والخيال ، وكيف تجعل الشخصية تبدو كأنها تعيش حقا حياتها أمامنا.
بعد الرحيل المؤلم ، بعد الوداع الأخير، قد لا نحتاج إلى أن نقلب الفنجان لنعرف ما الذي ستتركه آمال البكوش وراءها. يكفي أن نتذكّر جنّات وهي تميل برأسها فوق بقايا القهوة في الفنجان المسكون بالرموز، تقتفي أثر خبر ينزل "بردا وسلاما" على قلب الجالس أمامها حتى نعرف كم من مرّة أضحكتنا تلك المرأة التي تدّعي معرفة ما سيأتي في قادم الأيام . وكم من مرّة نسينا أنّ وراء "جنات العرافة" ممثلة تصنع من الوهم حياة، ومن الشخصية العابرة إقامة دائمة في وجدان الجمهور.
رحلت آمال البكوش.. نعم. لكن جنّات بقيت تحدّق في قاع الفنجان. هذه المرّة لا تبحث عن أسرار أحد، إنما عن تلك اليد التي كانت تمنحها الحياة. وعن امرأة اسمها آمال عبرت ذات يوم من بوابة الفن، وجلست في بيوتنا طويلا...طويلا، ثم تركتنا نهيم في فنجان الذكريات ونحاول أن نقرأ فيه غيابها جسدا ... وخلودها اسما وذاكرة وذكريات بنكهة القهوة في الصباحات.