Print this page

"بيت الرواية" يبحث في "تحوّلات السّرد وأسئلة البيئة": قابس تحتفي بالرواية الخضراء

هي قابس الحنّاء والرائحة الفيحاء، البحر والواحة

الغابة والخليج... هي المدينة التي كتب عنها  الأديب والمؤرخ محمد المرزوقي  أثره الشهير "قابس جنة الدنيا". وأمام ما تعيش  قابس اليوم من معاناة التدهور البيئي والتلوث المتراكم منذ عقود،  تأتي الدورة الخامسة من "احتفائية الرواية التونسية" التي ينظمها "بيت الرواية " تحت إدارة يونس السلطاني   لتقترح مبحثا جديدا وآنيا ومهما يتناول  أهمية الرواية الخضراء وإمكانية الأدب والسرد إعادة بناء علاقتنا بالطبيعة  ومحاولة إنقاذ البيئة.

تستضيف المكتبة الجهوية بقابس أيام 23 و24 و25 أكتوبر 2026 هذا الحدث الثقافي البارز تحت شعار "الرّواية الخضراء: تحوّلات السّرد وأسئلة البيئة"، في مبادرة تؤسس لمبحث نقد بيئي يعيد للكلمة دورها الفاعل في مواجهة المخاطر التي تهدد الحياة والاستدامة. وتتوّج هذه الدورة بنشر وإصدار أوراقها وأشغالها ضمن كتاب مرجعي يتم توزيعه يوم الافتتاح.

كيف تكتب الرواية قضايا البيئة؟

اعتادت الرواية استدعاء الطبيعة بأشكال مختلفة. في شكل غابة تحرس أسرار الشخصيات، أو بحر يرمز إلى الحرية أوالعمق أو حتى الغدر،  أو حقول  تستعيد دفء الطفولة، أو جبال تعكس عزلة الأبطال أو تمرّدهم...  وغالبا ما كانت الطبيعة إطارا جماليا أو رمزيا تتحرك داخله الشخصيات وتتشكل عبره الأحداث. غير أن الرواية الخضراء تقترح تحولا في زاوية النظر، فهي لا تسأل فقط كيف يصف الكاتب الطبيعة، إنما  كيف يكتب علاقتنا بها، وكيف يكشف ما تخفيه هذه العلاقة من هيمنة واستهلاك واختلال.

إن اختيار مبحث "الرواية الخضراء"  في احتفائية الرواية التونسية لبيت الرواية  يتنزل في قلب الانشغال العالمي بالمناخ والتلوث واستنزاف الموارد. غير أن احتضانه في قابس يعطيه رمزية استثنائية وبُعدا واقعيا. فهذه المدينة التي تدفع منذ عقود  كلفة التصنيع الجائر واختلال التوازن البيئي تصبح في ملتقى الرواية منبرا يتداخل فيه الفلسفي والجمالي بالعلوم الإنسانية والاجتماعية والبيولوجية.

فالطبيعة في "السرد الأخضر" تتجاوز خلفية أو ديكور الأحداث، لتكون بطلة ومشاركة وضحية يصوغ الأدب من خلالها تخييلات جديدة تقاوم التردي البيئي وتبشر بأفق متوازن ومستدام.  ووفقا للورقة التقديمية  لملتقى "الرّواية الخضراء: تحوّلات السّرد وأسئلة البيئة" فإنّ  "تقاطع الكتابات السرديّة مع الطبيعة يُمثّل مجالا خصبا للبحث والتّنظير، قادرا على تقديم إسهامات جوهريّة في تعزيز الوعي بالبيئة والحفاظ على التّوازن البيئيّ. فالسّرد البيئيّ، بصفته نوعا أدبيّا متناميا، لا يقتصر على التّعبير عن المخاوف البيئيّة، بل يسهم في تشكيل تخييل جديد للعلاقة مع الطّبيعة".

تخييل أدبي .. بيئي

إن حماية التوازن البيئي مسؤولية ثقافية وأدبية تتطلب إعادة تخيل شروط الوجود الإنساني في معيته مع الطبيعة. ومن هذا المنطلق، تسعى احتفائية "الرّواية الخضراء: تحوّلات السّرد وأسئلة البيئة"  إلى جعل  السرد شريكا مؤثرا وفاعلا في صياغة مقترحات الجمال والمقاومة.

تفتتح التظاهرة بكلمات رسمية تعقبها الجلسة الأولى برئاسة أ. دليلة شقرون، وتحت عنوان «مفهوم الرواية الخضراء وإشكالية التحديد». يشارك فيها كل من أ. محمد صالح مجيد، أ. طارق سليمي، أ. مفيدة الجلاصي، وأ. هيام الفرشيشي، لوضع الأطر النظرية للسرود البيئية والتمييز بين الكتابة التزيينية للطبيعة والكتابة الإيكولوجية الملتزمة.  

تتعمق الجلسة الثانية برئاسة أ. منصف الوهايبي في محور «الرواية الخضراء وتشكيل الهوية»، بمشاركة أ. عفيفة سعودي السميطي، أ. عبد الرزاق السومري، أ. مراد الشابي، وأ. الأمين السعيدي. وتبحث قدرة المكان الجغرافي والبيئي على تشكيل ذوات الشخصيات وصياغة ذاكرتها الجمعية في مواجهة محو الجغرافيا والتلوث.  

تتجه الجلسة الثالثة التي يرأسها أ. عمار الجماعي نحو الممارسة الفنية بعنوان «جماليات الكتابة في السرد الأخضر». ويقدم فيها كل من أ. عمر الجملي، أ. خيرية بوبطان، أ. رشيدة الشارني، وأ. فتحية جلاد مقاربات تتناول الاستعارة، واللغة، والإيقاع السردي الذي يتطلبه التعبير عن الطبيعة الكسيحة أو المقاومة.  

تُختتم الجلسات بـ الجلسة الرابعة برئاسة أ. عثمان لطرش وحملت عنوان «الرواية الخضراء ورهانات العالم المعاصر»، بمشاركة أ. عبد القادر عليمي، أ. سفيان رجب، أ. فتحي بن معمر، وأ. علي السياري. وتناقش الجلسة الدور السياسي والأخلاقي للأدب في مواجهة المنظومات التي تستنزف الأرض، وذلك قبل الانتقال إلى حفل الاختتام وإعلان المقترحات. 

إنّ احتضار البيئة في عالمنا اليوم يقتضي استنفار كافة أدوات الوعي، ومنها الأدب.  لذلك  تكتسب احتفائية الرواية التونسية بقابس قيمتها الاستثنائية  لأنها تتناول موضوع البيئة لتحول الغضب المحتدم في بيئة قابس إلى طاقة نقدية وإبداعية. إنها خطوة جادة نحو ترسيخ "سردية خضراء" تونسية وعربية تجعل من الكتابة أداة لاستعادة التوازن المفقود بين الإنسان والبيئة، وبين البشر وأمهم كوكب الأرض.

المشاركة في هذا المقال