Print this page

في كتاب "رحلة الشمس: من قرطاج إلى إندونيسيا" لروعة قاسم: الأمكنة قصائد… والخُطى ذاكرة الريح

إنّ "السفر يجعلك عاجزا عن الكلام.. ثم يحولك إلى حكّاء"

 وبعد ثقل الأمتعة  يبقى إحساس المتعة، وبعد ضجر الحقائب تبقى حلاوة الذكريات. وهو ما جعل كثيرون يستلون القلم ليوثقوا يوميات وتفاصيل ومشاهد صادفوها في الطريق وهو يقتفون خطى الريح.  ولعلّه من رحم الدهشة ولد أدب الرحلة  في وصف  لذة الاكتشاف وتوثيق ذاكرة الأمكنة والأزمنة، والتاريخ والجغرافيا ، والعادات  والشعوب... ومنذ زمن "ابن جبير" و"ابن بطوطة" تتواصل الرحلة.. ولا ينتهي الطريق.

وفي أدب الرحلة، لا تكون المسافة بين قرطاج وإندونيسيا مجرد عبور بين ضفتين  ومرور بين مطارين في كتاب روعة قاسم، إنما هي "رحلة الشمس" في ملاحقة  شعاع النور ونداء الأرخبيل الذي صنع معجزة اقتصادية ووجهة سياحية ساحرة. وتحت عنوان "رحلة الشمس: من قرطاج إلى إندونيسيا"، صدر الكتاب عن "دار السفير" في حوالي 130 صفحة مرفوقة بألبوم صور، وفي تقديم بقلم زهير مصراوي، سفير جمهورية إندونيسيا في تونس.

أرجوحة الشمس بين الحلم والدهشة

يتجاوز أدب الرحلة  قطع المسافات بين البلدان ليمثّل عبور المسافة الخفية بين ما نعرفه وما لم نكتشفه بعد. هو أن نعود من السفر محمّلين بأسئلة لم تكن تخطر لنا قبل امتطاء الطائرة.  فالرحلة  مغامرة في المعرفة، واختبار للذات أمام مرايا الآخر، ومحاولة لقراءة العالم بفكر جديد .

في كتابها " رحلة الشمس: من قرطاج إلى إندونيسيا "، تفتح روعة قاسم نافذة على جغرافيا بعيدة تسكن أسرار الجزر ونبوءة الحلم. فتنطلق من قرطاج بما تختزنه من ذاكرة حضارية ومتوسطية،  نحو إندونيسيا الأرخبيل الذي تتجاور فيه الجزر والثقافات والتقاليد وتتعدد فيه وجوه الحياة وأسئلتها. وبين نقطتي الانطلاق والوصول، كان اللقاء والحوار بين حضارتين  وفرصة لاكتشاف ما تصنعه الجغرافيا بالإنسان، وما يصنعه الإنسان بمعنى المكان.

ولأنّ أدب الرحلة جنس أدبي تتقاطع فيه الملاحظة بالتأمل، والوصف بالثقافة العامة، والواقع بدهشة الاكتشاف، فإن قيمة الرحلة تكمن في قدرة الراوي أو الحكاء على تحويل ما تقع عليه العين إلى حكاية تُكتب وتجربة تُروى. فتصبح الكتابة وسيلة لاستقراء اللغة المرئية والخفية للمجتمعات وللبلدان، فلكل مكان ذاكرته التي لا تكشف أسرارها إلا لمن يحسن الإصغاء.

من قرطاج إلى إندونيسيا،  تغري صفحات "رحلة الشمس" وهي النص  المفتوح على  نافذة الدهشة بزيارة إندونسيا. وربما يسافر بنا الكتاب ونحن في مكاننا إليها ومطيتنا في ذلك سفر زاده الخيال. فكل سفر حقيقي  كان أم مجازيا، يترك فينا شيئا من الأمكنة التي عبرنا منها، ويجعلنا مختلفين عمّا كنّا عليه حين بدأنا الطريق... وأبدا لا نبلغ نهاية الطريق !

إندونيسيا.. سيمفونية الأرخبيل

يتجاوز أدب الرحلة إحصاء المسافات التي قطعناها، والأماكن التي زرناها، والمعالم التي اكتشفناها...  ليتطلب حضور العين التي ترى ما وراء المشهد،  والأذن التي تُنصت إلى ما تختزنه الأمكنة من ذاكرة وأسئلة وتحولات.

وفي كتاب "رحلة الشمس" لروعة قاسم  تطل إندونيسيا وجاكرتا وبالي والأرخبيل كعوالم تتقاطع فيها الحضارة بالدين، والطبيعة بالتاريخ، والخصوصية الثقافية برهانات الحداثة.

تشي عناوين الكتاب، منذ الوهلة الأولى، بأننا إزاء مشروع يتجاوز غواية السياحة ووصف محطات الرحلة . فـعناوين الفصول مثل : «بين جاكرتا وتونس: صلاة في محراب التسامح»، و«إندونيسيا.. سيمفونية الأرخبيل وفلسفة البقاء»، و«الاقتصاد الرقمي ومعجزة المستقبل»، و«حارسات الأرض.. زراعة الأرز وفلسفة سوباك»... تقترح مداخل لقراءة مجتمع تتجاور فيه المعتقدات والتقاليد مع تحولات الاقتصاد وأسئلة المستقبل. فيتحوّل أدب الرحلة عند روعة قاسم وهي صحفية بالأساس إلى ضرب من الاستقصاء الثقافي في محاولة فهم الكيفية التي يصوغ بها الإنسان علاقته بأرضه وذاكرته ومصيره. كما تصبح الكتابة عندها وهي الشاعرة التي أصدرت مجموعتين شعريتين فيضا غامرا من الشاعرية التي تمنح المكان ظلالا واللغة أجنحة.

نور الشعر يضيء سحر الجزر

بعد أن أهدت إندونيسيا  قصيدة "بوابة السماء" في تحية لشعب "كتب معجزته على شجر النارنج"، لا تكتفي الكاتبة والشاعرة روعة قاسم في كتابها "رحلة الشمس" برصد الأمكنة وتسجيل تفاصيل الرحلة وتوثيق ذاكرة المعالم والحدائق والجزر.. إنما تهبها بشغف وحب روحها الشاعرة ما يجعل الجغرافيا نصّا نابضا بالحياة، والطريق مساحة للتأمل، والمشهد العابر صورة تستقر في الذاكرة.  في لغة شاعرية رقيقة تلتقط  صاحبة الكتاب ما يتوارى خلف الأشياء، وما تتركه الأمكنة في النفس من أصداء وأسئلة ودهشة. ولعلّ في كونها شاعرة ما يفسّر هذه الحساسية والشفافية تجاه التفاصيل، وهذا الميل إلى الإصغاء إلى روح المكان لا إلى ملامحه وحدها. فتغدو الرحلة، بين يديها، أرجوحة من ضوء، معلّقة بين غيم الحلم وسماء الخيال وكأنّ الشمس تهدهد طفولة الروح.

المشاركة في هذا المقال