Print this page

تصعيد متواصل للمعطلين: "مسيرة الكرامة" ترفع سقف المواجهة حول القانون عدد 18

يتجه تحرك المعطلين عن العمل من أصحاب الشهائد العليا

نحو مرحلة جديدة من التصعيد، بعد أشهر من الاحتجاجات والوعود التي لم تتحول، وفق المحتجين، إلى إجراءات عملية لتفعيل القانون عدد 18 المتعلق بالانتداب الاستثنائي لمن طالت بطالتهم، ومع تواصل الوقفات الاحتجاجية في الجهات، وتصاعد التحركات بعد "مسيرة الكرامة" التي انطلقت من منزل بوزيان في اتجاه العاصمة، يرفع المعطلون سقف مطالبهم، مؤكدين أن المرحلة لم تعد تحتمل مزيدا من التأجيل أو التعهدات، وأن المطلوب هو الانتقال إلى التنفيذ الفعلي وتحديد آجال واضحة للانتدابات.

ويأتي هذا التصعيد في وقت تتواصل فيه التحركات في عدد من مناطق ولاية سيدي بوزيد، من بينها الرقاب، حيث يواصل المعطلون تنظيم وقفات احتجاجية للمطالبة بتفعيل القانون والشروع في تطبيق الإجراءات التي ينص عليها. ويؤكد المحتجون تمسكهم بمواصلة التحرك إلى حين تسجيل خطوات عملية من جانب السلطات، وتشكل "مسيرة الكرامة" أبرز محطات هذا التصعيد، حيث انطلقت يوم 27 سبتمبر من معتمدية منزل بوزيان بمشاركة عدد من المعطلين الذين قطعوا مسافات طويلة سيرا على الأقدام نحو العاصمة، قبل أن تلتحق بها مجموعات من جهات مختلفة وعائلات المعطلين ومواطنون ونشطاء ومساندون.

الضغط لإيصال المطالب

اختار المحتجون هذا الشكل الاحتجاجي للضغط من أجل إيصال مطالبهم مباشرة إلى السلطات، بعد ما اعتبروه طول فترة الانتظار وغياب نتائج ملموسة، وقد توقفت المسيرة عند مستوى برج السدرية بالضاحية الجنوبية للعاصمة، حيث منعت من مواصلة تقدمها جماعيا وسط توتر ومواجهات مع القوات الأمنية، وحسب المشاركون في المسيرة فقد تمّ إيقاف الناشطة المعطلة عن العمل نهى بن نصر لساعات بأحد المراكز الأمنية في الضاحية الجنوبية قبل الإفراج عنها. واعتبر المحتجون أن لجوءهم إلى قطع مئات الكيلومترات مشيا على الأقدام يعكس حجم الإحباط الذي خلفته سنوات البطالة وانتظار الانتداب، خاصة في ظل تواصل الوعود والتعهدات دون تسجيل تقدم فعلي في تنفيذ القانون. وشدد اتحاد أصحاب الشهائد المعطلين عن العمل على أن الأزمة لم تعد مرتبطة بغياب التواصل أو بعدم وضوح المطالب بل أصبحت أزمة تنفيذ فعلية للتعهدات والقانون.

اتحاد المعطلين.. المسيرة لم تكن نهاية الحراك

وفي خضم هذه التطورات، جرى لقاء مع ممثلة عن المسيرة، غير أن اتحاد أصحاب الشهائد المعطلين عن العمل اعتبر أن اللقاء لم يستجب للتعهد السابق بقبول وفد يمثل الحراك، واقتصر على الناطقة باسم المسيرة. كما اعتبر الاتحاد أن اللقاء لم يحمل أي إجراءات جديدة أو التزامات عملية بشأن تطبيق القانون عدد 18، ولم يتجاوز دائرة الوعود والتعهدات التي تلقاها المعطلون خلال الأشهر الماضية. ويتمسك المعطلون بمطلب أساسي يتمثل في التطبيق الفوري للقانون مع تحديد آجال واضحة وملزمة للشروع في إجراءات الانتداب. كما يطالبون بوقف التضييق على التحركات الاحتجاجية السلمية وفتح تحقيق في التجاوزات التي رافقت "مسيرة الكرامة"، ورغم عدم تسجيل تقدم عملي بشأن الانتدابات، يرى اتحاد أصحاب الشهائد المعطلين عن العمل أن "مسيرة الكرامة" حققت مكاسب مهمة، من أبرزها إعادة ملف المعطلين إلى واجهة الاهتمام العام وتوسيع دائرة التضامن معهم خاصة مع انخراط العائلات ومكونات مدنية وحقوقية ونقابية في الحراك. كما اعتبر أن المسيرة أكدت قدرة المعطلين على تنظيم أشكال احتجاجية جديدة والحفاظ على زخم التحركات.

ومع استمرار التحركات في الجهات، أكد اتحاد أصحاب الشهائد المعطلين عن العمل أن "مسيرة الكرامة" ليست نهاية الحراك، معلنا مواصلة الاحتجاج بأشكال مختلفة والتنسيق مع بقية الأطر الناشطة في ملف التشغيل، تأكيد  يكشف عن انتقال الحراك إلى مرحلة تصعيد جديدة عنوانها الضغط من أجل التنفيذ الفعلي، في ظل رفض تقديم وعود إضافية دون إجراءات ملموسة. وفي حال استمرار غياب هذه الإجراءات، فإن التحركات في الجهات مرشحة لمزيد من التصعيد، حيث  أكد في بيان له أنه لا عودة إلى دائرة الوعود والتأجيل، ليعلن أن المرحلة المقبلة ستشهد مواصلة النضال في الجهات وبأشكال نضالية متنوعة، تحددها هياكله وبقية الأطر والهياكل الناشطة في ملف التشغيل وفق تطورات هذا الملف. وختم الاتحاد بيانه بالتشديد على أن الوحدة والتنظم هما مفتاح استعادة المبادرة"، ليرفع شعار "لا وعود جديدة ولا تأجيل جديد".

الإطار التنسيقي المدني: حق في الشغل ومسؤولية على الدولة

من جهته، عبّر الإطار التنسيقي المدني عن قلقه إزاء تطورات "مسيرة الكرامة"، معتبرا أن ما دفع المعطلين إلى قطع مئات الكيلومترات مشيا على الأقدام هو المطالبة بتطبيق قانون قائم وإنهاء سنوات من الانتظار. وشدد الإطار على أن الحق في الشغل والكرامة والعدالة الاجتماعية يمثل مطلبا حيويا، وأن معالجة البطالة لا يمكن أن تقوم على التأجيل المتواصل. كما دعا إلى احترام حق المعطلين في الاحتجاج السلمي والتنقل والتعبير عن مطالبهم، وطالب بفتح تحقيق في ظروف منع المسيرة والتجاوزات التي رافقتها، بما في ذلك ما وصفها بالعبارات أو الممارسات ذات الطابع الجهوي. كما أكد الإطار التنسيقي أن المسألة تتجاوز الحلول التقنية والإدارية الضيقة، داعيا إلى معالجة الأسباب والسياسات التي ساهمت في إنتاج أزمة البطالة، بدلا من الاقتصار على الإجراءات الأمنية أو الإدارية. كما دعا الإطار مختلف المنظمات والجمعيات والقوى المدنية والحقوقية والنقابية والشبابية إلى مواصلة مساندة المعطلين والدفاع عن حقهم في الاحتجاج السلمي، ومتابعة مدى التزام الدولة بتطبيق القانون عدد 18 ، ليشدد على أنه من حق المعطلين أن يطالبوا بتطبيق القانون ومن واجب الدولة أن تطبقه.

"مسيرة الكرامة" هي محطة مفصلية في مسار احتجاجات المعطلين عن العمل، إذ نجحت في إعادة ملف التشغيل والقانون عدد 18 إلى واجهة النقاش العام، لكنها في المقابل لم تنجح، وفق المحتجين، في انتزاع إجراءات عملية تنهي حالة الانتظار. ومع استمرار التحركات والتصعيد، يبقى مصير الملف مرتبطا بما ستتخذه السلطات من خطوات بشأن تنفيذ القانون، وما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد إجراءات فعلية تستجيب لمطالب المحتجين أو ستتجه نحو مزيد من التصعيد الميداني.

المشاركة في هذا المقال