Print this page

تنفيذ ميزانية الدولة في السداسي الأول من 2026 : 24.9 مليار دينار نفقات مدفوعة.. دعم المحروقات يتجاوز الاستثمار و12.1 مليار دينار لنفقات التأجير

تكشف نتائج تنفيذ ميزانية الدولة إلى موفى السداسي الأول

من سنة 2026 عن تصاعد الضغوط على المالية العمومية، في ظل ارتفاع أسعار النفط عالميا وتداعيات التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط ، بالتوازي مع ارتفاع الأجور والتحويلات الاجتماعية، في وقت واصل فيه الاقتصاد الوطني مسار التعافي التدريجي، وقد أظهرت معطيات وزارة المالية أن جملة نفقات الميزانية المدفوعة خلال تلك الفترة بلغت حوالي 24.9 مليار دينار، بزيادة قدرها 8.9 بالمائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025، وبنسبة إنجاز في حدود 39.2 بالمائة من تقديرات السنة.

لكن اللافت في تركيبة الإنفاق هو أن دعم المحروقات وحده تجاوز نفقات الاستثمار بـ762 مليون دينار، إذ بلغت كلفة دعم المحروقات حوالي 2.427 مليار دينار، مقابل 1.665 مليار دينار فقط لنفقات الاستثمار. وتعكس هذه الأرقام حجم الضغط الذي فرضته أسعار الطاقة على ميزانية الدولة، بعدما تجاوز السعر الفعلي للنفط خلال النصف الأول من السنة الفرضية التي بنيت عليها ميزانية 2026 بفارق كبير، وهو ما زاد من الضغوط على توازنات المالية العمومية ودفع الدولة إلى مواصلة سياسة ترشيد النفقات وتحسين مردودية الإنفاق وتوجيه الاعتمادات نحو البرامج والمشاريع ذات الأولوية.

تعافي تدريجي للاقتصاد

أكدت وزارة المالية أن النشاط الاقتصادي الوطني يواصل مسار التعافي التدريجي، إذ ارتفعت نسبة النمو السنوي من 0.4 بالمائة سنة 2023 إلى 1.4 بالمائة سنة 2024 ثم إلى 2.5 بالمائة سنة 2025، مع توقع بلوغ 3.3 بالمائة سنة 2026. وسجل الاقتصاد الوطني خلال الثلاثي الأول من سنة 2026 نموا بنسبة 2.6 بالمائة على أساس الانزلاق السنوي، بما يعكس، وفق التقرير، ترسخ ديناميكية الانتعاش بعد سنوات من الركود. وساهمت مختلف القطاعات الاقتصادية في هذا الأداء، حيث سجل القطاع الفلاحي ارتفاعا في حجم القيمة المضافة بنسبة 6.8 بالمائة خلال الثلاثي الأول من السنة، مقارنة بالفترة نفسها من 2025، مساهما بـ0.61 نقطة مئوية في النمو الإجمالي. كما حقق القطاع الصناعي نموا بنسبة 2.6 بالمائة، ساهم بـ0.45 نقطة مئوية في النمو، في حين واصل قطاع الخدمات أداءه الإيجابي، مسجلا ارتفاعا في القيمة المضافة بنسبة 2.2 بالمائة ومساهما بـ1.38 نقطة مئوية. وأرجعت الوزارة هذا التطور في قطاع الخدمات، بالخصوص، إلى تحسن أداء عدد من الأنشطة، من بينها النزل والمطاعم والمقاهي والإعلامية والاتصال والنقل.

ارتفاع النفقات إلى 24.9 مليار دينار

بلغت جملة نفقات الميزانية المدفوعة خلال السداسي الأول من سنة 2026 حوالي 24.917 مليار دينار، مقابل الفترة نفسها من سنة 2025، بزيادة قدرها 8.9 بالمائة. وتوزعت هذه النفقات أساسا بين نفقات التأجير والتدخلات ونفقات التسيير والنفقات ذات الصبغة التنموية. وتعكس هذه النتائج مواصلة الدولة تنفيذ التزاماتها الاجتماعية والاقتصادية بالتوازي مع السعي إلى التحكم في نسق تطور النفقات وتحسين مردودية الإنفاق العمومي. وقد استحوذت نفقات التأجير على جانب مهم من الإنفاق العمومي، حيث تم إلى موفى جوان 2026 صرف حوالي 12.184 مليار دينار بعنوان أجور ومرتبات القطاع العام، بزيادة بلغت 4.9 بالمائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025. ومثلت هذه النفقات نسبة إنجاز في حدود 48.2 بالمائة من الاعتمادات المرسمة بقانون المالية لسنة 2026. وأرجعت وزارة المالية هذا التطور أساسًا إلى تفعيل القسط الأول من الترفيع في الأجور والمرتبات في القطاع العام بعنوان سنوات 2026 و2027 و2028، طبقًا للفصل 15 من قانون المالية لسنة 2026.

كما تم ضبط نفقات التأجير لسنة 2026 على أساس إقرار انتدابات جديدة في حدود 51.878 خطة، في إطار دعم التشغيل والحد من البطالة، مع إعطاء الأولوية لأصحاب الشهائد العليا والفئات الفقيرة ومحدودة الدخل. ويتزامن ذلك مع توجه الدولة نحو الحد من أشكال العمل غير القار، من خلال تطبيق مقتضيات القانون عدد 9 لسنة 2025 المتعلق بتنظيم عقود الشغل ومنع المناولة، إلى جانب الأمر عدد 327 المؤرخ في 17 جوان 2025 المتعلق بمنع المناولة في القطاع العام.

نفقات التسيير تحت السيطرة

بلغت نفقات التسيير إلى موفى جوان 2026 حوالي 760 مليون دينار، مسجلة ارتفاعا بنسبة 1.3 بالمائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025. وبلغت نسبة الإنجاز 25.9 بالمائة من تقديرات قانون المالية لسنة 2026، مقابل 28.7 بالمائة خلال الفترة نفسها من السنة الماضية.

وترى وزارة المالية أن هذا التطور يعكس توجه الدولة نحو مزيد التحكم في نفقات التسيير والحد من ارتفاعها، في إطار ترشيد الإنفاق العمومي وتحسين استخدام الموارد المتاحة. كما سجلت نفقات الدعم بدورها ارتفاعا خلال نفس الفترة، حيث بلغت الاعتمادات المنفذة حوالي 3.486 مليار دينار، بزيادة قدرها 12 بالمائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025. وبلغت نسبة إنجاز نفقات الدعم 35.7 بالمائة من التقديرات المضمنة بقانون المالية لسنة 2026. ويبرز الدعم في صدارة الضغوط التي تواجه الميزانية، خاصة في ظل ارتفاع أسعار الطاقة عالميا خلال النصف الأول من السنة. هذا وأُعدت ميزانية الدولة لسنة 2026 على أساس معدل سعر لبرميل النفط من نوع "برنت" في حدود 63.3 دولارا، غير أن متوسط السعر المسجل إلى موفى جوان بلغ حوالي 92.6 دولارا للبرميل. وبفارق يقارب 29.3 دولارا للبرميل عن الفرضية الأصلية، ارتفعت كلفة دعم المحروقات لتبلغ 2.427 مليار دينار خلال ستة أشهر فقط، مسجلة نسبة إنجاز بلغت 48.6 بالمائة من الاعتمادات المخصصة لها.

الاستثمار في مواجهة الدعم

تكشف أرقام السداسي الأول من 2026 أن الدولة أنفقت على دعم المحروقات أكثر مما أنفقته على الاستثمار، ففي حين بلغت نفقات دعم المحروقات 2.427 مليار دينار، لم تتجاوز نفقات الاستثمار 1.665 مليار دينار، ولكن هذا لا يعني بالضرورة أن الاعتمادات الاستثمارية لن ترتفع خلال بقية السنة، إذ توضح وزارة المالية أن الجزء الأكبر من النفقات التنموية يتم عادة خلال السداسي الثاني، بعد استكمال الإجراءات الفنية والإدارية وإبرام الصفقات والحصول على التراخيص اللازمة، غير أن الفارق المسجل خلال النصف الأول يسلط الضوء على التحدي الهيكلي الذي تواجهه المالية العمومية، جزء متزايد من الموارد يذهب إلى تغطية كلفة الدعم، في حين يبقى الاستثمار العمومي رهين القدرة على تعبئة الموارد وتسريع تنفيذ المشاريع.

في الجانب الاجتماعي، ارتفعت التحويلات الموجهة إلى البرامج الاجتماعية بشكل لافت، فقد تم إلى موفى جوان 2026 صرف 2.221 مليار دينار بعنوان تحويلات البرامج الاجتماعية، بنسبة إنجاز بلغت 47.6 بالمائة من الاعتمادات المرسمة في قانون المالية. وبالمقارنة مع الفترة نفسها من سنة 2025، سجلت هذه النفقات زيادة بـ431 مليون دينار، أي بنسبة 24.1 بالمائة.  وتشمل هذه التحويلات برامج التضامن الوطني والسكن الاجتماعي والمنح الجامعية والإعانات المدرسية والجامعية، إلى جانب مختلف آليات الإحاطة بالفئات محدودة الدخل ودعم الجماعات المحلية. وتؤكد هذه الزيادة أن الدولة تواصل توجيه جزء مهم من مواردها نحو المحافظة على الدور الاجتماعي للميزانية، في ظل الضغوط التي تواجه القدرة الشرائية وارتفاع كلفة المعيشة.

التنمية.. 2.53 مليار دينار ونسبة إنجاز لا تتجاوز 21.2 %

بلغت النفقات ذات الصبغة التنموية حوالي 2.533 مليار دينار إلى موفى جوان 2026، منها حوالي 1.665 مليار دينار نفقات استثمار و867 مليون دينار تدخلات ذات صبغة تنموية. ولم تتجاوز نسبة الإنجاز الإجمالية للنفقات التنموية 21.2 بالمائة من تقديرات قانون المالية وتعتبر وزارة المالية أن ضعف هذه النسبة خلال السداسي الأول لا يعكس بالضرورة تعطل الاستثمار العمومي، موضحة أن طبيعة المشاريع العمومية تقتضي استكمال إجراءات فنية وإدارية وإبرام الصفقات والحصول على التراخيص قبل بداية التنفيذ الفعلي. كما أكدت مواصلة العمل على تسريع المشاريع المعطلة من خلال معالجة الإشكاليات العقارية والفنية والتمويلية وتكثيف المتابعة الميدانية. وفي هذا السياق، عقدت مجالس وزارية لمتابعة عدد من المشاريع العمومية المعطلة واتخاذ إجراءات لتذليل الصعوبات التي تحول دون تنفيذها. وتستهدف هذه الإجراءات رفع مردودية الاستثمار العمومي ودفع التنمية الجهوية وخلق مواطن الشغل وتحسين البنية الأساسية والخدمات العمومية. وتحاول الدولة بذلك الانتقال من مقاربة تقوم على مجرد توفير الاعتمادات إلى مقاربة تربط الإنفاق العمومي بالنتائج الفعلية للمشاريع ومدى تأثيرها الاقتصادي والاجتماعي. ويكتسب هذا التوجه أهمية أكبر مع دخول مخطط التنمية 2026-2030 مرحلة التنفيذ، بما يفرض، وفق الوزارة، رفع نسق الإنجاز وتعزيز المتابعة والاستباق في معالجة العراقيل.

تضع نتائج السداسي الأول من سنة 2026 المالية العمومية أمام معادلة صعبة، فالدولة مطالبة من جهة بالمحافظة على منظومة الدعم وحماية الفئات محدودة الدخل والطبقة الوسطى ومواصلة الزيادات في الأجور والانتدابات والتحويلات الاجتماعية ومن جهة أخرى تحتاج إلى تسريع الاستثمار العمومي وتمويل مشاريع التنمية والبنية الأساسية، لكن ارتفاع أسعار النفط يفرض كلفة إضافية على الميزانية، فيما يؤدي ارتفاع نفقات الأجور والتحويلات الاجتماعية إلى توسيع حجم النفقات القارة وشبه القارة، وفي المقابل، لا تزال نسبة إنجاز النفقات التنموية محدودة خلال النصف الأول من السنة.

المشاركة في هذا المقال