Print this page

واقع عطلة الأمومة في تونس: مكاسب تشريعية على طريق التمكين الأسري وتعزيز تمكين المرأة

مثل صدور قانون عطلة الأمومة عدد 44 لسنة 2024 والمتعلق

بتنظيم عطل الأمومة والأبوة في الوظيفة العمومية والقطاع العام والقطاع الخاص محطة مفصلية فارقة في المنظومة القانونية والاجتماعية في تونس. ويمثل هذا الإصلاح نقلة نوعية طالما تصدر أجندة الحركات النسوية والمنظمات الحقوقية، لردم الهوة بين متطلبات الإنتاج الاقتصادي وحماية حقوق الأسرة والطفولة في بيئة عمل فرضت تحديات متزايدة على المرأة العاملة.

واقع العمل وعطلة الأمومة

تدعم التقارير الصادرة عن الهياكل الرسمية ومنظمات المجتمع المدني ضرورة هذا الإصلاح، إذ تُشير إحصائيات وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن إلى أن نسبة النشاط الاقتصادي للنساء في تونس تقارب 28 بالمئة، ورغم الكفاءة العالية وحضور النساء اللافت في قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم والإدارة، إلا أن نسبة الباحثات عن العمل من حاملي الشهادات العليا تسجل تفوقا نسبيا لدى الإناث.

إلى جانب ذلك، تشير تقارير صادرة عن الاتحاد العام التونسي للشغل ومنظمات مجتمع المدني مهتمة بالحقوق الاقتصادية، إلى أن أكثر من 35 بالمئة من النساء العاملات في القطاع الخاص كن يواجهن ضغوطات غير مسبوقة بسبب قصر مدة عطلة الأمومة السابقة، مما دفع بنسبة غير معلنة من الأمهات إلى الانقطاع المبكر عن العمل أو قبول شروط عمل هشة.

القانون الجديد.. أي تغيير؟

ويؤكد المحامي صبري الثابتي لـ"المغرب" بان هناك فرقا جذريا أحدثه القانون الجديد مقارنة بالتشريعات السابقة التي تعود لأكثر من أربعة عقود. ولفت محدثنا الى ان القانون القديم لم يكن يمنح أي عطلة مسبقة قبل الوضع، مما أجهد عديد الحوامل في أشهرهن الأخيرة.

اما القانون الجديد، فقد أقرّ لأول مرة حق الحامل في التمتع بعطلة ما قبل الولادة لمدة تصل إلى 15 يوما خلال الشهر الأخير من الحمل بناء على شهادة طبية. وفي القانون القديم كانت عطلة الولادة والأمومة تقتصر على عطلة ولادة بمدة موجزة نسبيا بشهر يعقبها إمكانية طلب عطلة إضافية بشروط مقيدة. اما القانون الجديد، فقد حدد عطلة الأمومة والولادة بثلاثة أشهر أساسية، ترتفع إلى 4 أشهر في حالات استثنائية مثل ولادة التوأم، الأطفال ذوي الإعاقة، الولادات المبكرة، أو التشوهات الخلقية، مع توفير إطارات واضحة لحفظ الأجور والمنح بالتعاون مع الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والقطاع العام.

وفيما يتعلق بالحماية القانونية والمهنية فان النصوص القانونية المتعلقة بمنع الطرد أو التمييز كانت مرتبكة وغير موحدة بين القطاعين العام والخاص، لكن القانون الجديد نصّ صراحة على منع تسليط أي عقوبات أو طرد ضد المرأة أثناء فترة الحمل أو التمتع بالعطل المذكورة، مع إقرار بطلان الطرد التعسفي وإخضاعه لرقابة قضائية صارمة.

كيف أثر القانون الجديد؟

منذ دخول القانون حيز التنفيذ في صائفة 2024، انعكس أثره إيجابيا وبشكل ملموس على الاستقرار النفسي والمهني للأمهات العاملات. فقد ساهم في خفض معدلات التوتر والقلق المرتبط بالعودة المبكرة للعمل، وكرّس مبدأ تكافؤ الفرص وحماية الطفولة المبكرة عبر تأمين الرعاية الفضلى والأغذية الطبيعية للرضع دون الخوف من فقدان الوظيفة أو التراجع في مسار التدرج المهني.

أكدت راضية الجربي رئيسة الاتحاد الوطني للمرأة التونسية في حديثها لـ"المغرب"، أن القانون الجديد يمثل "ثمرة نضال طويل خاضته الهياكل النسائية والحقوقية من أجل مطابقة التشريعات التونسية مع المعاهدات الدولية". وأوضحت الجربي أن القانون لا يقتصر فقط على تمديد فترة الراحة، بل يرسخ لمبدأ العدالة الاجتماعية ويقلص من تداعيات الانقطاع المهني القسري، مشددة على أن الاستثمار في الطفولة المبكرة يبدأ بتأمين استقرار الأم النفسي والمادي.

وفي سياق متصل، شددت راضية الجربي على أن عطلة الأمومة السابقة كانت تقتصر مجحفة على 30 يوما فقط (مع إمكانية إضافة 30 يوما إضافية براتب نصف خالص، أو اعتبارها رخصة مرض لا غير)، وهو ما حرم التونسيات طويلا من استرداد أنفاسهن واستئناف عملهن في ظروف ملائمة. وأوضحت أن الاتحاد الوطني للمرأة التونسية خاض معركة نضالية مستمرة منذ سنة 2015 لحث المشرّع على تدارك هذا النقص، وصولا إلى تقديم مقترحات متقدمة للبرلمان تضمن مطابقة ما هو معتمد في أغلب دول العالم والاتفاقيات الدولية (مثل الاتفاقية الدولية رقم 183)، مع التطلع مستقبلا نحو إرساء عطل اختيارية تناوبية بين الأب والأم لضمان أفضل ظروف الرعاية الأسرية.

مقاربة اجتماعية واقتصادية

من جانبها، أشارت الباحثة ورئيسة جمعية قادرات سامية المالكي لـ"المغرب" إلى الأبعاد الاقتصادية والتشريعية العميقة لهذا القرار، مؤكدة أن القانون يمثل خطوة إيجابية هامة تسد الفجوة التاريخية بين القطاعين العام والخاص نظرا لأن القوانين القديمة تعود لعام 1983 للعام و1974 للخاص. وأوضحت المالكي أن القانون نجح في الاقتراب من معايير منظمة العمل الدولية ولا سيما الاتفاقية رقم 183 التي تحدد الحد الأدنى بـ 14 أسبوعا بثلثي الأجر، حيث باتت نساء القطاع الخاص يتمتعن بمكتسبات قريبة لنظيراتهن في القطاع العام بعد أن كن لا يستفدن سوى من 4 أسابيع فقط.

وتضيف سامية المالكي  :"- هناك عديد الايجابيات لمقتضيات القانون الجديد -من قبيل إقرار عطلة ما قبل الولادة (15 يوما)، وتحديد عطلة الأمومة بثلاث  إلى أربعة أشهر بتمويل جزئي من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وإقرار عطلة للأبوة تتراوح بين يوم و7 أيام يتحملها المشغل لأول مرة، إلى جانب ضمان الحفاظ على الوظيفة وساعات الرضاعة بغض النظر عن نظام العمل . ونبهت المالكي إلى وجود بعض التحديات ونقاط الضعف، أبرزها وجود سقف لتعويضات الضمان الاجتماعي يجعل أصحاب الأجور المرتفعة يحصلون على أقل بكثير من ثلثي الأجر الفعلي. كما أشارت إلى أن التحدي الأكبر يكمن في التنفيذ الفعلي داخل القطاع الخاص الذي يبدي أحيانا مقاومة بسبب الأعباء المالية، فضلا عن كون عطلة الأبوة قصيرة جدا مقارنة بالدول المتقدمة، مع غياب حوافز هيكلية لتقاسم رعاية الطفل أو توفير الدعم اللاحق كالحضانات وساعات العمل المرنة.

وفي مقارنة إقليمية ودولية، أوضحت المالكي أن تونس تضع نفسها ضمن المجموعة الأفضل عربيا متفوقة على دول كالإمارات والسعودية في مدة الامومة، وقريبة من المغرب، وإن كانت أقل من مصر التي رفعت عطلتها مؤخرا من 90  إلى 120 يوما وأقرت عطلة أبوة مدفوعة. غير أن التشريع التونسي لا يزال متأخرا نسبيا مقارنة بالدول المتقدمة (كنرويج وأيسلندا والسويد) التي تمنح عطلة والديّة مشتركة طويلة وممولة بنسب عالية تصل إلى 100بالمئة.

في جانب آخر من المشهد، تجسد مريم وهي موظفة شابة، الأثر المباشر لهذا القانون على أرض الواقع. وتتحدث  لـ"المغرب" عن تجربتها مع ولادتها الأولى والثانية قائلة : "قبل تعديل القانون، عشت رعب العودة السريعة للعمل بعد فترة قصيرة جدا، وكان طفلي الرضيع الأول في أشد الحاجة للرعاية المباشرة. أما اليوم، ومع ولادة طفلي الثاني صدر القانون الجديد، وشعرت معه بأن هناك اعترافا حقيقيا بحجم التضحيات التي تقدمها الأم العاملة. لقد كانت العطلة متنفسا حقيقيا مكنني من الإرضاع الطبيعي والرعاية السليمة دون الهاجس المستمر بفقدان الاستقرار المهني."

دور المجتمع المدني والإعلام: معركة النفس الطويل

ما كان لهذا القانون أن يرى النور لولا الجهود الحثيثة والمثابرة التي قادها المجتمع المدني والقطاع الإعلامي في تونس. وتؤكد عهد جمعاوي مديرة مكتب منظمة حقوق الانسان بتونس بالقول :" لقد خاضت شبكات الجمعيات النسائية، والمنظمات الحقوقية، والنقابات حملات توعوية وتشريعية استمرت لسنوات طويلة رفعت خلالها تقارير دقيقة للبرلمان، وأطلقت عرائض ضغط مجتمعي فضحت الآثار السلبية للقانون القديم. بالتوازي مع ذلك، لعب الإعلام التونسي دورا بارزا في تسليط الضوء على معاناة الأمهات العاملات وإبقاء الملف في صدارة النقاش العام حتى صدر المكتسب التشريعي المنشود."

من حماية المرأة إلى حماية الأسرة

من جهتها تقول الحقوقية رباب الهمامي الكاتبة العامة لرابطة النساء الحقوقيات في حديثها لـ" المغرب " ان عطلة الأمومة لم تعد مجرد حق مهني للمرأة، بل أصبحت قضية اجتماعية تتعلق بصحة الأم والطفل، واستقرار الأسرة، ومستقبل الأجيال. وفي هذا السياق جاء القانون التونسي عدد 44 لسنة 2024 ليُحدث تغييراً مهما، إذ أقرّ للأم عطلة ولادة مدتها ثلاثة أشهر، يمكن أن ترتفع إلى أربعة أشهر في حالات خاصة، كما أقرّ للأب سبعة أيام عطلة أبوّة خالصة الأجر، ترتفع إلى عشرة أيام في بعض الحالات. كما أتاح للأم، بعد عطلة الولادة، عطلة إضافية تتراوح بين شهر وأربعة أشهر بشروط محددة.

وتضيف محدثتنا :"هذا التغيير مهم في حياة المرأة التونسية، لأنه يمنحها وقتا أطول للتعافي بعد الولادة والعناية بطفلها، ويخفف من الضغط الذي كانت تواجهه في العودة السريعة إلى العمل.  " وتتابع بالقول :"عند النظر إلى بعض التجارب المتقدمة، نجد أن الاتجاه لم يعد يقوم على عطلة طويلة للأم وحدها، وإنما على إجازة والدية تشترك فيها الأسرة، مع تخصيص جزء منها للأب. في السويد مثلا، تصل الإجازة الوالدية إلى 480 يوما، مع تخصيص جزء من الإجازة لكل والد لا يمكن نقله بالكامل إلى الطرف الآخر. وفي النرويج توجد أيضا حصص مخصصة للأم والأب إلى جانب فترة يمكن تقاسمها بينهما. وتؤكد منظمة التعاون والتنمية أن تخصيص إجازة مدفوعة للأب يمكن أن يزيد مشاركته في رعاية الطفل والعمل المنزلي، ويدعم أيضا استمرار المرأة في سوق العمل."

أما ألمانيا، فقد طورت نظاما يسمح بتقاسم الإجازة الوالدية، مع حوافز عندما يستفيد الأب والأم منها معا. ويشير تحليل منظمة التعاون والتنمية إلى أن النظام الألماني ساهم في زيادة مشاركة الآباء في الإجازة الوالدية.

وهنا يمكن لتونس – بحسب محدثتنا - أن تطرح المرحلة الثانية من الإصلاح: الانتقال تدريجيا من مفهوم "عطلة الأمومة" إلى مفهوم "الإجازة الوالدية"، بحيث تصبح رعاية الطفل مسؤولية مشتركة بين الأب والأم.

فالاستثمار الحقيقي في الأمومة والأبوة ليس مجرد كلفة اجتماعية تتحملها الدولة أو المؤسسة، إنه استثمار في الإنسان، وفي الأسرة، وفي مستقبل تونس.

واليوم أصبحت عطلة الأمومة بصيغتها الحديثة (وفق قانون أوت 2024) ركيزة أساسية من ركائز التنمية المستدامة وحقوق الإنسان في تونس، تعيد الاعتبار لدور المرأة كشريك فاعل في بناء الاقتصاد والأسرة على حد سواء.

 

 

 

 

المشاركة في هذا المقال