كما ظنّ البعض. وها هي اليوم تعود من بوابة جائزة أبي القاسم الشابي باعتبارها واحدة من أعرق الجوائز الأدبية العربية في تونس. فمنذ أكثر من قرن لا تزال القصة القصيرة تقتنص اللحظة الهاربة من الزمن، وتحوّلها إلى أثر أدبي يبقى في الزمان والمكان. في رقم قياسي، ترشح للدورة الثانية والثلاثون لجائزة أبي القاسم الشابي للأدب العربي تسعة وتسعين عملا قصصيا من مختلف البلدان العربية. ممّا يؤكد أن القصة القصيرة ما تزال قادرة على إغواء الكتّاب والقراء على حد سواء.
منذ تأسيسها سنة 1984 بمبادرة من البنك التونسي وعلى امتداد أكثر من أربعين سنة، لم تكن جائزة أبي القاسم الشابي مجرد مسابقة أدبية عابرة، فقد تحولت إلى واحدة من أهم المواعيد التي ينتظرها الأدباء العرب كل عام .
99 قاصا يطرقون باب الشابي
من تونس، التي ما فتئت تمنح الثقافة العربية كثيرا من أجمل أصواتها وأجرأ أسئلتها وأروع أقلامها، يعود اسم أبي القاسم الشابي ليجمع حوله عشرات الكتّاب العرب في دورة جديدة من الجائزة التي تحمل اسمه ويرأسها الشاعر منصف الوهايبي. وقد اختارت الجائزة في هذه السنة أن تكون القصة القصيرة جنسا أدبيا للمنافسة في مراهنة على فنّ يعرف كيف يقول الكثير بأقل الكلمات والصفحات.
بلغ عدد المشاركات في دورة 2026 تسعة وتسعين عملا قصصيا من تونس ومصر ولبنان والمغرب والجزائر والأردن والعراق وسوريا وعدد من دول الخليج العربي، في واحدة من أكثر الدورات ثراء من حيث التنوّع الجغرافي وتعدّد التجارب السردية.
هذا الحضور العربي الواسع لا يعكس فقط المكانة التي اكتسبتها الجائزة على امتداد عقود، إنما يكشف أيضا عن استمرار القصة القصيرة بوصفها فضاء مفتوحا للتجريب والابتكار، رغم التحولات التي شهدها المشهد الأدبي خلال السنوات الأخيرة.
الأدب مرآة للقلق العربي
تكشف النصوص المتنافسة، بحسب ما لاحظته لجنة القراءة، عن انشغال واضح بالقضايا التي تشغل الإنسان العربي اليوم. فالحروب والهجرة والتحولات الاجتماعية والبحث عن الحرية وأسئلة الهوية والذاكرة حضرت بقوة في عدد كبير من الأعمال.
فكأننا بالكتّاب العرب وجدوا في القصة القصيرة مساحة مناسبة لالتقاط نبض اللحظة العربية بكل ما تحمله من توترات وأحلام وانكسارات، محولين الواقع إلى مادة جمالية تتجاوز التسجيل المباشر للأحداث نحو التأمل العميق في مصير الإنسان.
من الملامح اللافتة لهذه الدورة أيضا الحضور المتزايد للكاتبات العربيات، فالأصوات النسائية في الادب أصبحت قوة إبداعية تساهم بقوة وعن جدارة في إثراء السرد العربي وتوسيع آفاقه الجمالية والفكرية.
الشابي شاعر الطفولة: مسابقة في الفنون البصرية
لا تكتفي الجائزة بالاحتفاء بالأدب المكتوب، إذ تسعى أيضا إلى إعادة اكتشاف جوانب مختلفة من إرث أبي القاسم الشابي. لذلك اختارت هذه الدورة شعار "أبو القاسم الشابي شاعر الطفولة"، مستلهمة أحد الأبعاد الإنسانية المضيئة في تجربته الشعرية.
ولأول مرة في تاريخ الجائزة، تم إحداث مسابقة في الفنون البصرية تستوحي قصيدة "مرح الطفولة"، وتدعو الفنانين إلى ترجمة صورها الشعرية إلى أعمال بصرية تجمع بين الرسم والصورة والفيديو وغيرها من أشكال التعبير المعاصر.
تأتي هذه الجائزة في محاولة لإخراج القصيدة من الكتاب إلى الفضاء البصري، ومن القراءة الفردية إلى التجربة الفنية المشتركة.
إلى جانب الجائزة الرئيسية، تحافظ جائزة أبي القاسم الشابي للسنة الثالثة على التوالي على تقليدها في تكريم الشخصيات الفكرية والثقافية التي أسهمت في إثراء الحياة الثقافية العربية على غرار عبد المجيد الشرفي والطاهر لبيب اللذين نالا الجائزة التقديرية في الدورتين السابقتين.
في انتظار الإعلان عن الفائزين بجائزة الشابي في فروعها الثلاث يوم 21 نوفمبر 2026، وبغض النظر عن الفائز بالجائزة الكبرى، فإنّ ا الاهتمام بالقصة القصيرة من شأنه أن يعيد هذا الجنس إلى واجهة المشهد الأدبي العربي.