Print this page

في انتظار الإعلان عن موعد المسيرة الوطنية: اتحاد الشغل يدخل مرحلة تصعيدية من التعبئة والتحرك وصولا إلى الإضراب العام

دخل الاتحاد العام التونسي للشغل مرحلة

جديدة من التحرك السياسي والاجتماعي والنقابي، عنوانها الأبرز تكثيف التعبئة الداخلية وتوسيع دائرة التنسيق مع المنظمات والجمعيات ومكونات المجتمع المدني، استعدادا لسلسلة من المحطات التي تقول القيادة النقابية إنها ستتدرج من التحركات الميدانية إلى أشكال احتجاجية أكثر تصعيدا، وصولا إلى الإضراب العام في حال تواصل انسداد قنوات الحوار.

تأتي هذه المرحلة في سياق تصفه القيادة الحالية للاتحاد بأنه بالغ الحساسية، في ظل ما تعتبره تراجعا في الحوار الاجتماعي وتوترا متزايدا حول الملفات الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية، إلى جانب ما تراه استهدافا لدور المنظمة النقابية وموقعها في المشهد الوطني.

من الاجتماعات الإقليمية إلى إعادة ترتيب الصفوف

خلال اجتماعات إقليمية متتالية، كان آخرها في المهدية وباجة، قدم الأمين العام للاتحاد صلاح الدين السالمي ملامح هذا التوجه، مؤكدا أن القيادة النقابية تعمل على إعادة تنظيم الصفوف وتوحيد الخطاب الداخلي، بالتوازي مع بناء إطار أوسع يضم عددا من المنظمات والجمعيات ومكونات المجتمع المدني، اجتماعات إقليمية لم تعد مجرد لقاءات داخلية للاستماع إلى مشاغل الهياكل الجهوية، بل تحولت وفق الخطاب الذي قدمه السالمي، إلى جزء من خطة أوسع للتحضير للمرحلة المقبلة، فقد أشرف الأمين العام يوم السبت بالمهدية، على ندوة إقليمية ضمت الاتحادات الجهوية بالمهدية وصفاقس والمنستير وسوسة والقيروان، وفي اليوم الموالي، واصل السالمي هذا المسار خلال الاجتماع الإقليمي للمكاتب التنفيذية الموسعة لجهات باجة وجندوبة والكاف وسليانة وزغوان،  وتكشف هذه الاجتماعات عن رغبة واضحة في إبقاء الهياكل النقابية في حالة تعبئة واتصال مباشر بالقيادة، خصوصا مع اقتراب محطات احتجاجية جديدة.

التنسيق مع المجتمع المدني .. مسار قائم بذاته

قال السالمي إن اختيار عقد الاجتماعات الإقليمية وتكثيف اللقاءات النقابية مع الفروع الجامعية يأتي استعدادا للمحطات المقبلة، ودفاعا عن المنظمة وعن وجودها، في ظل ما تصفه القيادة النقابية بغلق أبواب الحوار. ولم يقتصر الخطاب على الدعوة إلى الاستعداد للتحرك، بل شمل أيضا التشديد على توحيد الخطاب النقابي وتعزيز الانتساب وتقوية الشعور بالانتماء إلى المنظمة إلى جانب التأكيد على تطبيق النظام الداخلي. وبالتوازي مع إعادة ترتيب البيت الداخلي، يواصل الاتحاد الدفع باتجاه توسيع دائرة التنسيق مع المنظمات الوطنية والجمعيات ومكونات المجتمع المدني. وأعلن السالمي، من المهدية، أن المنظمات الوطنية المؤسسة للإطار التنسيقي ستجتمع مساء غد الثلاثاء 29 سبتمبر  الجاري بمقر الاتحاد العام التونسي للشغل بحضور جمعيات ومنظمات من المجتمع المدني انضمت مؤخرا إلى هذا الإطار. ويأتي الاجتماع، وفق ما أعلنته القيادة النقابية، للتحضير للمحطات القادمة، وفي مقدمتها مسيرة وطنية مرتقبة خلال شهر أكتوبر.

تراهن قيادة الاتحاد على هذا الإطار لتجميع قوى اجتماعية ومدنية وحقوقية حول مجموعة من الملفات من الحريات العامة والفردية إلى الحقوق الاجتماعية والاقتصادية مرورا بالدفاع عن المؤسسات العمومية ودور الدولة الاجتماعي والحوار الوطني. ويقدم الاتحاد هذا التنسيق باعتباره إطارا مدنيا واجتماعيا لا يستهدف الوصول إلى السلطة بل يهدف، بحسب خطاب السالمي، إلى التعامل مع ما تعتبره مكونات هذا الإطار أزمة سياسية واجتماعية واقتصادية وحقوقية متراكمة وبذلك، يبدو أن القيادة النقابية لا تريد أن يبقى التحرك المقبل محصورا في الهياكل النقابية، وإنما تسعى إلى تحويله إلى تحرك تشارك فيه أطراف متعددة من المجتمع المدني.

المسيرة الوطنية.. أول اختبار ميداني

من أبرز المحطات التي بدأت قيادة الاتحاد في الترويج لها المسيرة الوطنية التي يجري الإعداد لها خلال شهر أكتوبر. وقد أعلن السالمي في باجة أن اجتماع الثلاثاء 29 سبتمبر سيكون مناسبة للإعلان عن موعد هذه المسيرة، بعد التشاور بين المنظمات والجمعيات ومكونات المجتمع المدني المنضوية ضمن الإطار التنسيقي. وتكتسب المسيرة، وفق الخطاب النقابي، أهمية تتجاوز بعدها الاحتجاجي المباشر، إذ تقدمها القيادة باعتبارها رسالة حول موقع الاتحاد والمنظمات الوطنية والمجتمع المدني في الشأن العام. كما يربط الاتحاد بين المسيرة وعدد من المطالب المتعلقة بالحريات وحرية العمل النقابي والحق في التظاهر والقدرة الشرائية والخدمات العمومية ودور الدولة الاجتماعي. وفي حال تم تثبيت موعد المسيرة، فإنها ستكون أول اختبار عملي لهذا الإطار التنسيقي الموسع ومدى قدرته على تحويل الاجتماعات والبيانات والاتصالات إلى تحرك ميداني واسع.

من المسيرة إلى الإضراب العام.. مسار تصعيدي مفتوح

لم يخف السالمي أن المسيرة الوطنية لن تكون نهاية التحركات، ففي كلمته بالمهدية، تحدث عن خطوات نضالية تصاعدية يمكن أن تتلو المسيرة، وصولا إلى الإضراب العام، الذي قال إن موعده سيحدد في الوقت المناسب. أما في باجة، فقد جدد التأكيد على أن الإضراب العام يمثل إحدى المحطات التي يتم الإعداد لها وأن تنفيذه سيكون في التوقيت الذي تراه القيادة مناسبا. وهنا تبرز إحدى أهم ملامح المرحلة الجديدة، فالاتحاد لا يعلن عن موعد محدد للإضراب العام، لكنه يبقي هذا الخيار حاضرا بقوة في خطابه، ويضعه ضمن مسار تصعيدي يبدأ بالتعبئة والاجتماعات، ويمر بالمسيرة الوطنية ثم يمكن أن ينتقل إلى أشكال احتجاجية أكبر. وبالتالي، فإن المرحلة الحالية تبدو أقرب إلى مرحلة إعداد واستنفار وتنظيم، قبل اتخاذ القرار النهائي بشأن مستوى التصعيد وتوقيته.

الحوار الاجتماعي في قلب الخلاف

يمثل ملف الحوار الاجتماعي أحد المحاور الرئيسية في خطاب القيادة الحالية للاتحاد. وشدد السالمي على أن الاتحاد يؤمن بالحوار لكنه يعتبر أن قنوات الحوار مع السلطة التنفيذية أصبحت مغلقة، وأن المفاوضات بشأن عدد من الملفات الاجتماعية والمهنية لم تعد تسير بالشكل الذي تطالب به المنظمة النقابية. ومن وجهة نظر القيادة النقابية، فإن الحوار الاجتماعي ليس امتيازا تمنحه السلطة بل مكسبا تاريخيا للحركة النقابية. واعتبر الاتحاد أن رفض التفاوض في عدد من الملفات بما في ذلك ملفات مرتبطة بإضرابات معلنة داخل مؤسسات وقطاعات حيوية، يمثل مؤشرا على تراجع آليات التفاوض الاجتماعي.

الملفات الاقتصادية والاجتماعية تعود إلى واجهة التحرك

إلى جانب الملفات النقابية والسياسية، يضع الاتحاد الوضع الاقتصادي والاجتماعي في صلب تحركه المقبل. فالسالمي تحدث عن تراجع المؤشرات الاقتصادية وتدهور خدمات عدد من المرافق العمومية وارتفاع الأسعار وتراجع المقدرة الشرائية إضافة إلى صعوبات مرتبطة بتوفير بعض المواد الأساسية وخدمات الكهرباء والصحة والنقل والتعليم. كما جدد الاتحاد التأكيد على موقفه الرافض للتفويت في المؤسسات العمومية مع الدعوة إلى إصلاحها وإعادة هيكلتها وإنقاذ المؤسسات التي تواجه صعوبات. وفي هذا السياق، ينتقد الاتحاد ما يعتبره توجها نحو تقليص الدعم والخدمات الاجتماعية.

الدفاع عن الحريات والعمل النقابي

حضر ملف الحريات بقوة في الخطاب الذي قدمه السالمي خلال الاجتماعات الإقليمية،  فالقيادة النقابية تشدد على تمسكها بالحريات العامة والفردية وحرية التعبير وحرية التفكير وعلى الحق في التظاهر وحرية العمل النقابي. ويربط الاتحاد هذه الملفات بمستقبل المجتمع المدني ودوره في الحياة العامة. كما أعلن السالمي تمسك الاتحاد بالتنسيق مع عدد من المكونات الاجتماعية والحقوقية والمهنية، من صحافيين ونساء ديمقراطيات وطلبة ومعطلين عن العمل وأطباء شبان وغيرهم من الأطراف التي يعتبرها الاتحاد جزءا من الحراك المدني والاجتماعي.

كما ركز الاتحاد على مسألة الوحدة الداخلية.وقد شدد السالمي في أكثر من مناسبة على ضرورة توحيد الخطاب النقابي ورص الصفوف، داعيا النقابيات والنقابيين إلى الانخراط في الاجتماعات العامة والتواصل المباشر مع العمال والهياكل. واضاف أن المكتب التنفيذي الوطني ملتزم بتطبيق النظام الداخلي للاتحاد على الجميع، بعيدا عن سياسة الكيل بمكيالين.

الاتحاد يحاول استعادة المبادرة

من خلال سلسلة الاجتماعات التي انطلقت من الجهات، ثم توسيع التنسيق مع المجتمع المدني و يبدو أن قيادة الاتحاد تعمل على الانتقال من مرحلة رد الفعل إلى مرحلة المبادرة المنظمة، فبدلا من انتظار تطورات الملفات الاجتماعية والمهنية كل على حدة، يجري جمعها ضمن خطاب واحد يربط بين الحوار الاجتماعي والحريات والقدرة الشرائية والمؤسسات العمومية ودور الدولة الاجتماعي ومستقبل المجتمع المدني. وفي هذا التصور تصبح المسيرة الوطنية محطة جامعة بينما يمثل الإضراب العام ورقة تصعيدية مؤجلة يمكن اللجوء إليها إذا لم تتغير الظروف.

ما بعد اجتماع الثلاثاء....

مع اقتراب اجتماع 29 سبتمبر الجاري، يبدو أن الاتحاد يتجه إلى مرحلة أكثر وضوحا من حيث التنظيم والتحرك. فالقيادة لم تعد تتحدث فقط عن أزمة أو عن ملفات عالقة، وإنما بدأت في تحديد أدوات التعامل معها، اجتماعات إقليمية و تعبئة داخلية وتنسيق مدني و مسيرة وطنية ثم تحركات تصاعدية يمكن أن تصل إلى الإضراب العام. وفي انتظار ما سيصدر عن الاجتماع، فإن الاتحاد يبدو في طور إعادة بناء أدوات الضغط والتعبئة، واضعا نفسه أمام اختبار جديد يتعلق بقدرته على الجمع بين المحافظة على وحدته الداخلية وتوسيع حركته خارج الأطر النقابية التقليدية. وبحسب قيادة الاتحاد فإن المعركة التي تستعد لها ليست معركة للوصول إلى السلطة وإنما تحرك للدفاع عن الحوار والحريات والحقوق الاجتماعية والاقتصادية ودور المجتمع المدني.

 

 

المشاركة في هذا المقال