Print this page

وسط مناخ نقابي متوتر وإصلاح تربوي منتظر: أكثر من مليوني تلميذ يلتحقون بمقاعد الدراسة اليوم

تستقبل المؤسسات التربوية اليوم الثلاثاء 15 سبتمبر الجاري

نحو مليونين و341 ألف تلميذ بمختلف جهات البلاد، في موعد يتزامن مع تواصل النقاش حول واقع المدرسة العمومية وتزايد الانتظارات بشأن إصلاح المنظومة التربوية، في وقت تخيم فيه أجواء من التوتر على العلاقة بين وزارة التربية والهياكل النقابية.

وتشير آخر المعطيات الإحصائية لوزارة التربية إلى تسجيل زيادة في عدد التلاميذ بنحو 22 ألف تلميذ مقارنة بالسنة الدراسية الماضية. ويتوزع العدد الجملي بين مليون و195 ألف تلميذ بالمرحلة الابتدائية باحتساب التعليم التحضيري ومليون و146 ألف تلميذ بالمرحلتين الإعدادية والثانوية، باحتساب التعليم الإعدادي التقني. وتأتي هذه العودة في ظل تحديات متعددة تواجه المدرسة من بينها الحاجة إلى تحسين البنية التحتية ومعالجة الشغورات وتطوير ظروف العمل ومراجعة البرامج والمناهج والزمن المدرسي، وهي ملفات أصبحت في صلب النقاش حول مستقبل التعليم خلال السنوات المقبلة.

تعزيز الإطار التربوي بـ2993 مدرسا جديدا

أعلنت وزارة التربية، على مستوى الموارد البشرية، تدعيم الإطار التربوي بـ2993 مدرسا جديدا، ليرتفع العدد الجملي للمدرسين إلى 161 ألفا و300 مدرس، مقابل 158 ألفا و400 مدرس خلال السنة الدراسية الماضية، أي بزيادة تقارب 1.9 بالمائة. ويتوزع الإطار التربوي الجديد بين 79 ألفا و25 مدرسا بالمرحلة الابتدائية و82 ألفا و318 مدرسا بالمرحلتين الإعدادية والثانوية. وأكدت المديرة العامة للمرحلة الإعدادية والتعليم الثانوي بوزارة التربية، ريم المعروفي، أن تدعيم الإطار التربوي جاء بعد استكمال تعيينات الناجحين في المناظرات الخارجية ومتخرجي علوم التربية وتوزيعهم على المؤسسات التربوية. ويأتي هذا التعزيز في وقت يمثل فيه نقص الإطار التربوي أحد أبرز الملفات التي تشغل القطاع، خاصة في ظل ما تعتبره الهياكل النقابية انعكاسا مباشرا للشغورات على ظروف عمل المدرسين وعلى سير الدروس.

وبالتوازي مع تطور عدد التلاميذ، سيبلغ العدد الجملي للفصول خلال السنة الدراسية الجديدة 92 ألفا و190 فصلا، مقابل 92 ألفا و262 فصلا خلال السنة الماضية، بما يعكس شبه استقرار في عدد الفصول. وتضم المرحلة الابتدائية 54 ألفا و49 فصلا، مقابل 38 ألفا و141 فصلا بالمرحلتين الإعدادية والثانوية. أما على مستوى الخارطة المدرسية، فقد ارتفع عدد المؤسسات التربوية إلى 6178 مؤسسة خلال السنة الدراسية 2026-2027، مقابل 6160 مؤسسة خلال السنة الماضية، بزيادة قدرها 18 مؤسسة. ويتوزع هذا العدد بين 4604 مدارس ابتدائية و1574 مدرسة إعدادية ومعهدا. كما أعلنت الوزارة عن استحداث ثلاثة فضاءات تربوية خصوصية جديدة، تتمثل في مركب رياضي بولاية القيروان، ومدرسة "الفرصة الثانية" بولاية باجة، ومدرسة "الفرصة الثانية" بولاية نابل، في خطوة تستهدف دعم بعض المسارات والفضاءات التربوية ذات الخصوصية.

23 مؤسسة جديدة وأكثر من 1400 تدخل للصيانة والتوسعة

وفي إطار الاستعداد للعودة المدرسية، شملت التدخلات المبرمجة إحداث 23 مؤسسة تربوية جديدة بمختلف الجهات، إلى جانب إنجاز أكثر من 1400 تدخل للصيانة والتوسعة. كما تم توفير نحو 73 ألف طاولة مزدوجة جديدة، في محاولة لتدعيم التجهيزات المدرسية وتحسين ظروف الاستقبال داخل المؤسسات التربوية. وتكتسي هذه التدخلات أهمية خاصة في ظل الانتقادات المتكررة بشأن وضعية عدد من المدارس والمعاهد، ولا سيما في المناطق الداخلية والريفية، حيث تظل البنية التحتية وتجهيز المؤسسات من أبرز الملفات المطروحة على الوزارة.

هذا وسجلت عملية الترسيم المدرسي عن بعد عبر منظومة "الحياة المدرسية" تقدما كبيرا، حيث بلغ عدد التلاميذ المرسمين نحو 2.1 مليون تلميذ خلال الفترة الممتدة من 20 أوت إلى 14 سبتمبر 2026، بنسبة بلغت 100 بالمائة من مجموع التلاميذ المستهدفين، وفق آخر تحيين نشرته وزارة التربية. أما بخصوص دفع معلوم الترسيم، فقد بلغ عدد التلاميذ الذين أتموا العملية أكثر من مليوني تلميذ، مع تسجيل اختلاف طفيف بين الأرقام الواردة في آخر تحيينات الوزارة، إذ أشارت معطيات إلى 2.014 مليون تلميذ بنسبة 96 بالمائة، قبل أن تبلغ العملية، في تحيين لاحق، 2 مليون و90 ألفا و13 تلميذا بنسبة 99.5 بالمائة. وتعكس هذه الأرقام اعتمادا متزايدا على الرقمنة في إدارة المسار المدرسي، وهو توجه تقول الوزارة إنه سيكون أحد المحاور الرئيسية لإصلاح المنظومة التربوية خلال الفترة المقبلة.

عودة مدرسية في مناخ نقابي متوتر

غير أن العودة المدرسية لهذه السنة لا تتم في مناخ هادئ بالكامل، إذ تتزامن مع تصاعد التوتر بين وزارة التربية والنقابات التربوية، فقد أعلنت الجامعة العامة للتعليم الثانوي تنفيذ وقفات احتجاجية في عدد من الجهات، من بينها بنزرت وسليانة وصفاقس، بالتزامن مع انطلاق السنة الدراسية. وأكد الكاتب العام للجامعة العامة للتعليم الثانوي محمد الصافي، أن هذه التحركات تمثل "رسالة أولى" إلى سلطة الإشراف، ممثلة في وزارتي التربية والشباب والرياضة، على خلفية ما تعتبره النقابة استمرارا لغياب التفاوض الجدي. وتقول الجامعة إن قنوات الحوار مع سلطة الإشراف أصبحت مغلقة، وإن عددا من الملفات العالقة لم يجد طريقه إلى التسوية، من بينها المستحقات والبنود التي تقول النقابة إنها لم تنفذ في إطار اتفاقيتي 2019 و2023.  كما تطرح الجامعة مسألة مشاركة الهياكل النقابية في عدد من الملفات الإدارية، من بينها حركة النقل الوطنية والجهوية ولجان الإدارة المتناصفة إضافة إلى ملف الشغورات وما يترتب عنه من ساعات إضافية يتحملها المدرسون. وأكد الصافي في تصريحات إعلامية أن النقابة لا تحبذ تعطيل سير الدروس، غير أنه شدد على أن الهيئة الإدارية المرتقبة ستبقى صاحبة القرار في تحديد الخطوات النضالية القادمة وأشكال التصعيد الممكنة.

إصلاح تربوي مرتقب للفترة 2026-2030

وبعيدا عن الملفات الآنية المرتبطة بالعودة المدرسية، يبرز سؤال أوسع يتعلق بمستقبل المنظومة التربوية نفسها، هل ستكون السنة الدراسية الجديدة بداية لمسار إصلاحي قادر على معالجة الاختلالات المتراكمة داخل المدرسة العمومية؟، وقد أكدت وزارة التربية أن إصلاح المنظومة للفترة 2026-2030 سيتركز على جملة من المحاور وفي مقدمتها مراجعة المناهج والبرامج التعليمية وإعادة تنظيم الزمن المدرسي بما يراعي الجوانب البيداغوجية والنفسية للمتعلمين وتسريع التحول الرقمي داخل المؤسسات التربوية. وأوضحت الوزارة أن هذا التوجه يستند إلى مخرجات الاستشارة الوطنية وإلى أعمال المجلس الأعلى للتربية والتعليم ويهدف إلى بناء مدرسة عمومية أكثر جودة وإنصافا. ويشمل الإصلاح، وفق الوزارة، تعزيز تكوين الإطار التربوي والتعليم قبل المدرسي وإعادة هيكلة مسارات التوجيه والتعليم التقني والمهني إضافة إلى مراجعة موقع اللغات في النظام التعليمي بما يحقق توازنا بين تعزيز اللغة العربية والانفتاح على اللغات الأجنبية.

ويمثل إصلاح البنية التحتية أحد أبرز مكونات المسار الإصلاحي المعلن. وأفادت وزارة التربية بأن الاستثمارات المنجزة خلال السنوات الخمس الأخيرة بلغت نحو 1.5 مليار دينار، وشملت أكثر من 5500 تدخل لفائدة أكثر من 3300 مؤسسة تربوية. وتوزعت هذه التدخلات بين إحداث مؤسسات جديدة وصيانة الفضاءات المهددة لسلامة التلاميذ وإعادة بناء الأسوار وتحسين التزود بالماء الصالح للشرب وتركيز كاميرات مراقبة بعدد من المدارس. أما برنامج سنة 2026، فيتضمن إحداث 19 مؤسسة تربوية جديدة، وإضافة 514 فضاء تدريسيا، وصيانة وتأهيل 464 مؤسسة تربوية، مع إعطاء الأولوية للمناطق الريفية. كما يشمل البرنامج اقتناء تجهيزات تعليمية وإعلامية وأثاث مدرسي، إلى جانب رصد اعتمادات للتدخلات الاستعجالية. وفي إطار دعم هذه المشاريع، خصصت وزارة التربية 717 مليون دينار للاستثمار في قطاع التربية ضمن ميزانية سنة 2026، بزيادة تقارب 20 بالمائة مقارنة بسنة 2025.

وبين عودة أكثر من مليوني تلميذ إلى مقاعد الدراسة، وتعزيز الإطار التربوي بآلاف المدرسين، والاستثمارات المعلنة في البنية التحتية، تتجه الأنظار إلى قدرة الإصلاح التربوي المنتظر على الانتقال من مستوى التصورات والبرامج إلى نتائج ملموسة داخل الأقسام والمؤسسات.

 

المشاركة في هذا المقال