من الحراك النقابي والحقوقي والمدني، في ظل تواصل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وتزايد الجدل حول وضع الحريات العامة والفردية وحرية العمل النقابي والمدني والإعلامي..، وقد برز خلال الأيام الأخيرة مسار تنسيقي جديد يجمع بين الاتحاد العام التونسي للشغل والهيئة الوطنية للمحامين بتونس والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، في خطوة تعكس توجها نحو توحيد المواقف والجهود بين مكونات أساسية من المجتمع المدني حول جملة من الملفات الوطنية.
توجت المشاورات بين المنظمات الثلاث بإصدار بيان مشترك بتاريخ 3 سبتمبر الجاري تحت شعار "تونس أولا والشعب فوق كل اعتبار"، تضمن تشخيصا للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحقوقية، وأعلن في مرحلة أولى عن إطلاق إطار تنسيقي مشترك من أجل تونس والتونسيين، مع التأكيد على إبقائه مفتوحا أمام بقية القوى الحية والديمقراطية والمنظمات والجمعيات والفاعلين الوطنيين، ليتم في مرحلة ثانية الإعلان عن التوجه لتنظيم مسيرة مشتركة.
مشاورات مواصلة لتوسيع دائرة التنسيق
أكد عميد الهيئة الوطنية للمحامين بتونس بوبكر بالثابت في تصريح لـ"المغرب" ، أن موعد تنظيم المسيرة الوطنية المشتركة بين مكونات المجتمع المدني لم يحدد بعد، موضحا أن المشاورات مع الاتحاد العام التونسي للشغل والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بخصوص المسيرة المشتركة تمت من حيث المبدأ، في انتظار الاتفاق المشترك على الموعد النهائي. وأشار إلى أن النقاش داخل هيئة المحامين يتواصل بشأن مختلف تفاصيل المسيرة، من توقيت تنظيمها إلى الأطراف التي ستشارك فيها، في وقت تتجه فيه المشاورات نحو توسيع دائرة التنسيق لتشمل منظمات وقطاعات مهنية وجمعيات أخرى على غرار الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية والنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين إلى جانب جمعيات ومكونات المجتمع المدني.
وفي هذا السياق، تبرز مسألة توسيع دائرة المشاركين باعتبارها إحدى أهم المحطات المقبلة، فالاتحاد وعمادة المحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان تؤكد جميعها أن الإطار مفتوح أمام بقية مكونات المجتمع المدني، ومن المنتظر أن تتواصل الاتصالات مع المنظمات الاقتصادية والمهنية والإعلامية والجمعيات المدنية، بما قد يؤدي إلى تشكيل أرضية تنسيق أوسع من الإطار الثلاثي ، وتظل مشاركة اتحاد الأعراف إحدى النقاط التي قد تحظى باهتمام خلال المرحلة المقبلة، خاصة أن التصريحات الصادرة عن الرابطة وعمادة المحامين تشير إلى وجود اتصالات ومشاورات سابقة، مع إمكانية إعادة التشاور بشأن المشاركة في المسار الجديد، كما يمكن أن تمثل مشاركة نقابة الصحفيين وبقية القطاعات المهنية إضافة مهمة إلى الإطار بالنظر إلى ارتباطها المباشر بملفات الإعلام والحريات والحقوق المهنية.
المسيرة..أول ترجمة ميدانية فعلية للتنسيق الجديد
ولا يقتصر هذا التنسيق على إصدار البيانات وتبادل المواقف، إذ بدأت ملامح التحرك الميداني تتشكل من خلال الإعلان عن مسيرة وطنية مشتركة، يفترض أن تجمع المنظمات المؤسسة للإطار التنسيقي ومكونات أخرى من المجتمع المدني. ويكتسي تحديد موعد هذه المسيرة وأطراف المشاركة فيها أهمية خاصة، باعتبارها قد تمثل أول ترجمة ميدانية فعلية للتنسيق الجديد، كما يمكن أن تشكل مؤشرا على مدى قدرة الأطراف المؤسسة على توسيع دائرة التحرك وبناء أرضية مشتركة حول الملفات التي تعتبرها ذات أولوية وطنية. ويتزامن التحضير للمسيرة مع توجه اتحاد الشغل نحو اعتماد خطة نضالية متصاعدة، حيث ثمنت الهيئة الإدارية الوطنية للاتحاد بعث الإطار التنسيقي مع قوى المجتمع المدني، وفوضت المكتب التنفيذي الوطني وضع خطة نضالية يمكن أن تصل إلى الإضراب العام بالتشاور مع الإطار التنسيقي وقوى المجتمع المدني. كما دعت الهياكل النقابية والقواعد العمالية والقوى الاجتماعية والمدنية إلى الاستعداد للمرحلة المقبلة وتعزيز التعبئة والتنسيق والعمل الميداني.
يستند الإطار التنسيقي الجديد إلى قراءة مشتركة للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، إذ تشير المنظمات الموقعة إلى تراجع القدرة الشرائية واتساع مظاهر الفقر والبطالة والهشاشة إلى جانب ارتفاع الأسعار والصعوبات التي تواجهها قطاعات وخدمات أساسية. كما تضع ضمن أبرز الملفات المطروحة أزمات الماء والكهرباء ونقص الأدوية والمواد الأساسية، معتبرة أن هذه الصعوبات لم تعد مجرد إشكالات ظرفية، وإنما أصبحت تؤثر بشكل مباشر في الحياة اليومية للمواطنين وفي مستوى معيشتهم وكرامتهم. وقد عبّرت المنظمات الثلاث في بيانها عن مخاوفها مما وصفته بالتضييق على العمل السياسي والنقابي والمدني، كما أثارت مسألة استقلال القضاء وضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع، معتبرة أن المساس بهذه الضمانات يهدد أسس دولة القانون والمؤسسات. كما حضر ملف الإعلام وحرية الصحافة ضمن أولويات الإطار التنسيقي، في ظل ما اعتبرته المنظمات تراجعا في حرية الإعلام وتضييقا على الصحفيين والأصوات الحرة ومحاولات للهيمنة على المؤسسات الإعلامية.
نفي أي عملية إقصاء
وتحمّل المنظمات الموقعة على البيان السلطة القائمة مسؤولية سياسية عن خياراتها وقراراتها ونتائج إدارة الشأن العام، معتبرة أن السنوات الأخيرة اتسمت، وفق تقييمها، بغياب الحوار والتشاركية وبتراجع الشفافية والتواصل مع مختلف مكونات المجتمع. وفي المقابل، تطرح هذه المنظمات الحوار المجتمعي باعتباره أحد المداخل الأساسية للخروج من الوضع الراهن، وتؤكد أن معالجة الأزمة تستوجب مراجعة الخيارات الاقتصادية والاجتماعية والسياسات التي تعتبر أنها أثبتت عدم قدرتها على معالجة الأوضاع المتراكمة.
وقد أكد رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، بسام الطريفي، أن البيان الثلاثي جاء في ظل ما وصفه بتراكم الأزمات التي يعيشها الشعب التونسي، من انقطاع الماء والكهرباء وغلاء المعيشة ونقص الأدوية إلى مظاهر ما اعتبره فشلا في إدارة الشأن العام. وأوضح أن المنظمات الثلاث عقدت اجتماعات خلال الفترة الماضية انتهت إلى إصدار البيان المشترك وإرساء إطار تنسيقي مشترك "من أجل تونس والتونسيين". وشدد الطريفي على ضرورة جلوس مختلف الأطراف إلى طاولة الحوار، مؤكدا انفتاح المنظمات الثلاث على بقية المنظمات والجمعيات والقوى الحية والديمقراطية، بما يخدم مصلحة البلاد. كما دعا السلطة إلى فتح حوار حول مختلف الملفات والقضايا التي تهم الشعب، معتبرا أن المرحلة الحالية تتطلب اعتماد مقاربة تشاركية بين السلطة والمنظمات. وبخصوص عدم مشاركة اتحاد الأعراف في البيان المشترك، نفى الطريفي وجود أي عملية إقصاء، موضحا أن الأمين العام لاتحاد الشغل كان قد اتصل باتحاد الأعراف، إلا أنه لم تتم العودة، وهو ما فُهم من جانب المنظمات الثلاث باعتباره اعتذارا عن المشاركة. وفي الوقت نفسه، أكد أن الإطار التنسيقي يظل مفتوحا أمام مختلف القوى الحية والديمقراطية.
بين التصعيد والبحث عن أرضية مشتركة
وفي افتتاح الهيئة الإدارية الوطنية، أكد الأمين العام لاتحاد الشغل صلاح الدين السالمي، أن الوضع الحالي في البلاد متأزم وخطير، معتبرا أن البلاد تجاوزت مرحلة غياب الحوار الاجتماعي إلى ما وصفه بالغياب الكامل للحوار مع مختلف الأطراف ومكونات المجتمع. كما اتهم السلطة باختيار سياسة صد الأبواب، ودعا إلى توحيد جهود مكونات المجتمع المدني المستقل دفاعا عن الوطن والحريات وحرية التعبير والصحافة وحرية التنظيم. وأعلن السالمي عن تنظيم مسيرة وطنية مع مكونات المجتمع المدني، مؤكدا أن موعدها سيحدد بالتنسيق مع شركاء الاتحاد من مكونات المجتمع المدني. ويأتي هذا الإعلان ليمنح المسار التنسيقي بعدا ميدانيا، بعد أن كان في مرحلته الأولى قائما أساسا على المشاورات وإصدار المواقف والبيانات المشتركة.
ولا تقتصر الاستعدادات النقابية على المسيرة الوطنية، إذ أكد الأمين العام أن مختلف الأشكال النضالية تبقى مطروحة ومشروعة أمام القطاعات والهياكل دفاعا عن الاتحاد وعن البلاد، مشيرا إلى أن خيار الإضراب العام يبقى من بين الاحتمالات المطروحة. كما دعا الهياكل النقابية إلى الاستعداد لهذا الخيار من خلال عقد الاجتماعات الجهوية والإقليمية والقطاعية.
ينتظر أن تشكل المسيرة الوطنية المشتركة أول اختبار ميداني حقيقي لقدرة الإطار التنسيقي على توحيد صفوف مكوناته وتوسيع قاعدة المشاركين، فموعد المسيرة لم يحسم بعد، والمشاورات ما تزال متواصلة بشأن توقيتها والأطراف التي ستشارك فيها، إلا أن الإعلان عنها يؤكد أن التنسيق انتقل من مرحلة التأسيس وإصدار البيان إلى مرحلة البحث عن أدوات تحرك ميدانية.