Print this page

المحروقات في تونس: توهّج يخفت .. صخب يتعالى

لم يعد يخفى على احد أن النضوب الطبيعي

لحقول النفط في تونس أمر واقع وان تراجع الإنتاج الوطني من المحروقات لا يعود فقط إلى ضعف الاستثمارات بل إلى تراجع أداء الحقول وان اكتشافات 1964 لم تعد متاحة بذلك الزخم، لكن القطاع وما يدور حوله كان دائما محل تشكيك واتهام بالفساد وقد جدت العديد من الأحداث في هذا السياق من إقالات وفتح تحقيقات في بعض الحقول على غرار قضية حلق المنزل.

تعد عقود النفط التونسية مع الشركات الأجنبية محل نقاش ومطالب بمراجعتها وفي بعض المراحل تمت المطالبة بتأميمها وبين الحديث في المنابر الإعلامية والخطاب الرسمي هناك أرقام تروي الحقائق وتتيح لمن يريد الحقائق الاطلاع عليها. إذ يخضع قطاع البترول في تونس إلى ثلاثة أطر قانونية متعاقبة، إلى جانب نظامين تعاقديين رئيسيين ينظمان العلاقة بين الدولة والمؤسسات البترولية. إذا تخضع سندات المحروقات لثلاثة أنظمة تشريعية وفق وزارة الصناعة والمناجم والطاقة وهي نظام الأوامر العليّة الصادرة في 13 ديسمبر 1948 وغرة جانفي 1953، ونظام المرسوم عدد 9 لسنة 1985 المنقح بالقانون عدد 9 لسنة 1987، ومجلة المحروقات الصادرة بالقانون عدد 93 لسنة 1999 والمنقحة لاحقًا، آخرها بالقانون عدد 41 لسنة 2017 لملاءمتها مع الفصل 13 من الدستور، وتتم في هذه الأطر المصادقة على الاتفاقيات الخاصة بالاستكشاف والبحث والاستغلال بمقتضى قانون. وإلى جانب هذه الأطر التشريعية  يقوم القطاع على نظامين تعاقديين أساسيين وهما عقد الشراكة الذي ينظم العلاقة بين المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية والشريك أو الشركاء في أعمال الاستكشاف والبحث والاستغلال، ويحدد أساليب التصرف واتخاذ القرار واللجان الفنية والإدارية والاتفاق المحاسبي، وعقد مقاسمة الإنتاج الذي تكون فيه المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية صاحبة السند والمقاول شركة أو مجموعة شركات، ويحدد أدوار الطرفين وآليات التصرف واسترجاع المصاريف وكيفية اقتسام الإنتاج. كما يستند تنظيم القطاع إلى نصوص أخرى من أبرزها القانون عدد 45 لسنة 1991 المتعلق بمنتوجات النفط، والأوامر المتعلقة باللجنة الاستشارية للمحروقات والإحداثيات الجغرافية لسندات المحروقات، وإنتاج الكهرباء من الغاز المستخرج، إلى جانب القرار الوزاري المتعلق بإيداع ودراسة مطالب سندات المحروقات. ويعني هذا التراكم أن الامتيازات البترولية الموجودة حاليا في تونس لا تحمل بالضرورة التاريخ التشريعي نفسه ولا تخضع بالضرورة للترتيبات ذاتها. فالعقد البترولي لا يمكن قراءته بمعزل عن تاريخ إبرامه والقانون الذي تأسس عليه.

تراجع ملحوظ

تمر منظومة المحروقات عبر مراحل تتوزع إلى رخص البحث والاستكشاف التي تسمح بالبحث عن مكامن جديدة، ثم امتيازات الاستغلال التي تمنح عند اكتشاف مكمن قابل للاستغلال.  وتختلف آجال الامتيازات بشكل كبير بحسب تاريخ إحداثها والنظام القانوني الذي تخضع له والتجديدات التي أدخلت عليها.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظرف يتراجع فيه الإنتاج الوطني من النفط فيما تسعى الدولة إلى المحافظة على مواردها من المحروقات وتعزيز العائدات المتأتية منها. وتظهر المعطيات الرسمية أن إنتاج الامتيازات التابعة لمؤسسة التونسية للأنشطة البترولية من النفط الخام بلغ إلى جوان 2026 حوالي 3.73 مليون برميل، بتراجع قدره 4 %  مقارنة بالفترة نفسها من 2025.

وتكشف الأرقام الرسمية عن أن عدد امتيازات الاستغلال تبلغ 57 امتياز من بينها 44 في طور الإنتاج تساهم الدولة عبر المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية في 34 امتيازا منتجا وتملك بالكامل ثلاثة منها.

إلا أن الاستكشاف يتقلص والإنتاج الوطني يتراجع، في وقت يرتفع فيه الطلب على الطاقة وتتسع الفجوة بين الموارد المحلية والحاجيات. ووفق أحدث المعطيات المنشورة بلغ عدد رخص البحث والاستكشاف السارية إلى موفى مارس المنقضي 12 رخصة.

المشكلة الأساسية لا تكمن في عدد الامتيازات وحده، بل في قدرتها على المحافظة على الإنتاج. فقد بلغ الإنتاج اليومي  من النفط إلى موفى جوان 2026 نحو 25.4 الف برميل بتراجع قدره 6% مقارنة بالفترة نفسها من العام الفارط. أما الغاز الطبيعي، فقد بلغ الإنتاج الوطني إلى موفى جوان  2026 حوالي 565.7  ألف طن مكافئ نفط، مسجلا تراجعا قدره 1% مقارنة بالفترة نفسها من 2025.

جباية الشركات البترولية

أما على المستوى الديواني، فتمنح الدولة الشركات البترولية نظاما تفضيليا مهما. فالمؤسسات صاحبة  رخص الاستكشاف أو البحث أو امتياز الاستغلال، وكذلك المتعاقدون والمناولون المستوفون للشروط، يمكنهم الانتفاع بالإعفاء من الحقوق والمعاليم المستوجبة عند توريد المعدات والتجهيزات والمواد المخصصة لأنشطة الاستكشاف والبحث والاستغلال، مع استثناء إتاوة الخدمات الديوانية وإتاوة المعالجة الآلية للمعلومات.

ويشمل الامتياز، وفق الديوانة، الأجهزة والآلات والتجهيزات والمعدات والمواد والعربات المعدة فعليا للاستعمال في النشاط البترولي، كما يخضع الانتفاع به لشروط وإجراءات، من بينها الحصول على امتياز جبائي وتسجيل المؤسسة ضمن النظام المعتمد لدى الديوانة. وإذا تم التفويت في المعدات لفائدة طرف لا يتمتع بالامتياز، تصبح المعاليم والأداءات المستوجبة عند التوريد قابلة للدفع وفق الشروط المحددة.

وهذا يعني أن الحديث عن «امتياز جبائي للشركات البترولية» لا يعني إعفاء الشركات من كل الضرائب، بل يتعلق بجملة من المعاملات والامتيازات التي تختلف حسب طبيعة النشاط والسند البترولي والنظام القانوني والعقد المطبق.

وفي معطيات وزارة المالية بلغت المداخيل الجبائية للشركات البترولية في موفى 2025 نحو 1 مليار دينار مقابل 1.3 مليار دينار العام 2024.  وفي نسبة الضريبة على الشركات ومن بين نسبة عامة تقدر ب 25% تحدد نسبة خاصة لبعض الشركات ب 35 % والتي تشمل  قطاع المحروقات في مستوى الإنتاج والتكرير والنقل والتوزيع بالجملة.

يواجه قطاع المحروقات تحديات عديدة من تراجع إنتاج النفط والغاز  مقابل ارتفاع الطلب الداخلي وتقلص ملحوظ  في عدد رخص الاستكشاف. وقطاع المحروقات لا يعاني من غياب الامتيازات أو او الرخص سارية المفعول، بل من مشكلة تجدد  الحقول المنتجة  فـ57 امتياز استغلال، منها 44 منتجا و 12 رخصة بحث واستكشاف فقط. فالتحدي الحقيقي لم يعد فقط في جذب المستثمر إلى الامتياز، بل في تحويل رخص الاستكشاف إلى اكتشافات، والاكتشافات إلى إنتاج، والمحافظة على مستوى الإنتاج بما يكبح اتساع العجز الطاقي.

المشاركة في هذا المقال