Print this page

من إخراج رضوان الهنودي: «يمة سامحيني» مرثية البرّ والعصيان... و"العقوق الثقافي"

"يمة سامحيني"... هو توسل مؤثر، هو رجاء انفعالي

هو صرخة موجعة تحمل الاعتراف المسبق بالذنب، وطلب الغفران والصفح.  ليس من أي كان... بل من الأم ! هكذا اختار المخرج رضوان الهنودي أن يسم مسرحيته الجديدة ليعيد طرح السؤال الأزلي حول جدلية الركح ووظيفته الإنسانية والجمالية في عصر السلعنة والآلة. لم يكن رصيده الركحي الممتد من «فارس النواثير» (2013) مرورا بـ «نوار اللوز» (2017) ووصولا  إلى «مرض الهوى» (2019) سوى محطات في رحلة بحث دؤوبة عن ذاكرة لا تموت وحلقات مترابطة لإحياء الموروث الشفوي والذاكرة الغنائية التونسية .

في مشروع مسرحي ذاتي آمن بفكرته هواة وأساتذة ومحترفون يلتقي كل من صفاء الشارني ومنى الشارني وسهام حمادي وأماني فرشيشي وأحلام قماطي وخذيري نصايبية ونذير زغلامي والأنور بن عطية وعبد اللطيف العثماني في التوثيق والتصوير من أجل نسج عوالم "يمة سامحيني".

من رغد العيش  إلى شقاء العقوق

عند بوابة قاعة العرض وقبل الجلوس قبالة  الركح  وقبل رفع ستارة البداية،  يشد  العنوان "يمة سامحيني" المتفرج لأنه  يعزف على وتر الأمومة، هذه التيمة المقدسة والشعور الأرقى والأسمى في كل الكون. وعن دلالات اختيار هذا العنوان يقول المخرج رضوان  الهنودي  في تصريحه لـ "المغرب": "  اشتغلنا على سيميائية العنوان بوصفه عتبة حارقة ووظيفة إنشائية إحالية تضع المتلقي أمام مسؤولية أخلاقية مسبقة. قد تختزل العبارة المدوية "يمة سامحيني"  ذنبا مجهولا  يبحث صاحبه عن تطهير أرسطي، وسرعان ما يتكشف هذا الذنب على خشبة المسرح من خلال خرافة "العقوق" الصادمة.

تتأسس المسرحية على خرافة شعبية ذات بعد إنساني  في سرد  لحكاية الفارس "بوزيد"، ابن القبيلة المحظوظ المتزوج من ابنة شيخها، والذي عاش زمنا في رغد ورخاء ضمن فضاء يفيض بالخضرة والنماء. غير أن زوال النعمة يبدأ حين تجف المنابع وتشح عيون الماء. فتتحول الواحة اليانعة إلى صحراء جرداء. وهنا يربط  المخرج رضوان الهنودي بدقة متناهية بين بؤس الجفاف الطبيعي وظمأ الروح، فالرحيل بحثا عن الماء يوازيه رحيل أضنى  لقيم المروءة.

في زحمة الارتحال والهروب من الموت، يرتكب بوزيد خطيئته الكبرى حيث يقرر التخلي عن أمه المسنة وتركها وحيدة داخل خيمة  تواجه القفر القاتل، متذرعا بكونها «أثقلت خطاه وأخرته عن النجع». من حسن الحظ أنّ  الزوجة النبيلة  تستفز ضميره بحيلة ذكية. فحين يطلب منها إحضار طفله الصغير ليلعب معه، تصدمه بإجابتها اللاّماحة التي صنعت نقطة التحول والانهيار بقولها :

" ولدك؟ ولدك مع جداه قعد يونسها ويخفف وحدتها.. يوقف عساس على خيمتها باش كيف تكبر تسكنها ! "

شجن  الخرافة وسحر الحكواتي

لا يقدّم المخرج  رضوان الهنودي عرضه "يمة سامحيني" بأسلوب جاف أو سائد إنما يوظف "الحكواتي"  كخيار جمالي هو الأكثر قربا لمرجعيتنا الشعبية ولذاكرتنا الجماعية. فالممثل على الركح لا يؤدي دورا يحفظه وقد يرتجل بعض ملامحه إنما يتحول إلى  كائن مسرحي هجين، يعبر الحكاية راويا، ثم يرتدي الشخصية مشخصا، ليكسر الجدار الرابع ويسحب المتفرج إلى قلب الحدث.

ويُحسب للمخرج رضوان الهنودي في رؤيته الإخراجية الاشتغال بمنتهى السلاسة على الموروث الشفوي والغنائي من أجل "مسرحته"  في قالب فني أصيل، بعيدا عن التوظيف الفلكلوري الذي يفرغ التراث من روحه. فيتجاوز العرض الحكاية الفلكلورية ليدخل صلب المسرح الأنثروبولوجي الذي يفكك الروابط البشرية تحت محك البقاء.

في تجلياتها الإخراجية، يعتمد العمل على تقسيم الفضاء إلى وحدات زمكانية متحركة، تمنح الجمهور تأشيرة سفر عبر أزمنة وأمكنة متغيرة تخدم الحدث الدرامي. يؤكد المخرج رضوان الهنودي أنّ المعنى لا يُقدم جاهزا إنما يعثر عليه المتفرج في لحظة التحام بالحدث في وحدة جمالية متكاملة.

المهرجانات الصيفية  واستبدال المسارح بالأسواق

تتحول الشاعرية والجمالية الركحية لدى رضوان الهنودي إلى مرارة حارقة حين يتحدث عن الواقع الثقافي الراهن. لم يخفِ المخرج خلال حديثه مرارته ونقده اللاذع لواقع المشهد الثقافي اليوم، معتبرا أن لفظة "مسرح" باتت كفيلة بجعل مديري المهرجانات يعزفون عن برمجة العروض. وتحسّر رضوان الهنودي على أيام "الحمامات" و"قربة"، حيث كان المهرجان نقطة تجمع لمثقفي المدينة وفنانيها ضمن رؤية تنويرية واضحة تهدف لتهذيب الذائقة.

 عن شبه غياب للمسرح في مهرجانات  الصيف، يقول رضوان الهنودي:"اليوم، ولأسف شديد، تحولت المهرجانات إلى ما يشبه "الأسواق الأسبوعية" أو المعارض السنوية، بضائع معروضة بلا تنسيق، وبلا مشروع حقيقي يستثمر في العقول. وعندما آلت الأمور إلى غير أهلها، تصدّر المشهد من يُطلق عليهم مجانا صفة "فنانين"، وهم في الحقيقة ليسوا سوى "مرددين" يعيشون ويتمشّعون من إبداعات غيرهم دون تقديم أي إضافة إبداعية أو بصمة خاصة."

 في هذه السياقات، وعن الآن وهنا،  يتجاوز عرض "يمة سامحيني" الذي خصنا المخرج  رضوان الهنودي بخلفياته كونه مجرد حكاية عن فارس ندم وعاد لإنقاذ أمه.  تأتي «يمة سامحيني» لتكون أكثر من مجرد مسرحية عن عقوق الأبناء لآبائهم، إنها وثيقة مسرحية تُدين "العقوق الثقافي" وظمأ الأرواح في زمن الجفاف الفني، وتذكرنا بأن الركح - مهما قست عليه الظروف- سيبقى الفضاء الوحيد القادر على إيقاظ الضمائر وإعادة الاعتبار للإنسان.

المشاركة في هذا المقال